الخميس، 5 يناير 2012

ازدواجية الحريه 2

حتي ندرك كيف ان الاحساس بالتفوق العرقي او الطائفي او الثقافي هو احساس زائف في مجمله وغير اصيل يكفي ان نعلم انه عندما استولت الفاشيه علي السلطه في ايطاليا وروسيا والمانيا في النصف الاول من القرن العشرين (وانا عندما استخدم كلمة "فاشيه" انما اشير الي المذهب التسلطي الشمولي بوجه عام او نموذج ما يسمي بالمستبد العادل) لم يكن السواد الاعظم من الناس في تلك البلدان مهيئين من الناحيه الايدولوجيه علي الاقل نحو افتتان شاذ بالقوه وكراهية الاخر: لا احد منهم كان لديه قبل ذلك الشعور الجمعي العارم بان وطنه هو سوبرمان زمانه او كامل الاوصاف او محور الكون وان غيره لا شئ: وانما اكتسبوا ذلك فيما بعد عن طريق الايدولوجيا–والتها الدعائيه- تلك التي اقنعتهم-وبعد الحاح- بان مشاعر التعصب والغطرسه طبيعيه تماما وان النزعه العدوانيه–كالغرائز-جزء من الطبيعه البشريه بل مغروسه بالكامل في بناء الانسان البيولوجي والنفسي بحيث انهم بدونها لا يكتملون ولا يكتمل انتماؤهم للوطن او الدين

ثم -وقبل ان تبدأ الحرب مباشرة- لم يكن كثير من الناس في هذه البلدان علي وشك ان يعتقدوا بان مشاعر الانتماء وحب الوطن او الدين تلك نفسها من الممكن ان تتسبب في مثل هذا التنوع العجيب من نزعات الشر والانتقام والماسي الرهيبه والدمار الشامل: ثم مثل هذا التوق–علي الجانب الاخر-للرضا بالقليل او الخضوع للظلم والجهل والخوف والقهر

لم يكن هناك سوي قله قليله فقط من الناس يدركون الاجابه علي سؤال: والام يمكن ان يوجه الانسان عواطفه وطاقاته وغرائزه (والتي تميل عادة الي الفرديه والتوهج بل والانفجار) اذا لم يوجهها للدفاع عن وطنه؟

والاهم من ذلك: كيف يحقق الانسان ذاته ويحافظ علي حقوقه وحرياته (ناهيك عن كرامته واستقلاليته وسعيه الي التنافس والجداره والعوده الي الجذور) في مجتمع كبير من الممكن ان يفترسه ويلتهمه: اي دون ان يتحول في نهاية الامر الي مجرد ترس من التروس بلا عقل او روح تميزه ؟

لقد زعزعت القوميات -التفاؤل اللا محدود–تفاؤل القرن التاسع عشر وما سبقه- بأن الانسان قادر علي ان يحافظ علي فرديته دون ان ينصهر بالكامل في الحشود والعلاقات

والواقع ان القوميات ولدت في البدايه من اجل هذا السبب الرئيسي: دمج الانسان الفرد داخل المجتمع وحشد جهوده (ولو عنوه) من اجل مصلحه عامه: مع وعد بان حكومه قويه كفيله في حد ذاتها بان تحميه وتمنحه فرص رزق  وتؤمن مستقبله

وكانت تجربه جديده فلم يكن السواد الاعظم من الناس–حتي ذلك الحين- قادرين علي النظر ابعد من الانتماء الي الاسره او القبيله او القريه او الحي او المدينه او بشكل ادق: المساحه الجغرافيه التي يستطيعون ان يتجولوا داخلها بلا مشاكل امنيه خطيره: كما لم يكونوا قادرين–وبنفس القدر- علي النظر ابعد من الحاجات والمنافع الاقتصاديه الفرديه المحدوده

فلم يسبق ابدا ان عاش البشر-ومنذ ظهور الانسان علي سطح الارض- مثل هذه الحاله الرائعه التي نعيشها اليوم من اتصال وتواصل وتخاطب: اي من خلال كونهم اعضاء في مجتمع محلي او دولي واحد

وبالطبع لم يكن هناك حديث عن "علاقات دوليه" او "قانون دولي" او "عولمة" او "حوار حضارات" الخ: فلم تكن العلاقات الدوليه القائمه انذاك مؤهله لاكثر من مجرد التبادل التجاري والاستعمار والحروب (وتبادل الاسري؟)

وهكذا ظلت النزعه نحو التوسع او التجهز للمعارك العسكريه ضد جماعات وافراد من ثقافات او اديان او اعراق اخري هي الغالبه حتي علي مستوي ابناء البلد الواحد:

باختصار: كانت البشريه-خصوصا في منطقة الشرق الاوسط- لا تزال تعيش ظروف عنف واستبداد وغليان معقده للغايه ومتأصله خلت تقريبا من اي وعي اجتماعي او سياسي بل خلت حتي من رأي عام فلم تكن المجتمعات بعد قادره-في ظل بدائية تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات- علي صنع رأي يوحد بين جمهور عريض من الشعب علي اساس من مبادئ سياسيه او اجتماعيه (ومن ثم ارتبطت تلك العصور اكثر بالحروب الاهليه والنزاعات القبليه والثورات القائمه علي مطالب اقتصاديه فئويه ومقاومة المحتل)

بل ان مفاهيم واساليب التعليم والتربيه التي كانت سائده انذاك لا يمكن مقارنتها بما يحدث اليوم اذ كانت قاصره في غالبها علي ما يمكن ان يقتنصه الفرد–وبصوره عشوائيه-من حفظ او تلقين في حلقات الدرس والكتاتيب بحيث اختلطت فيها الفتاوي بالاجتهادات والمشاعر بالافكار (الي ان ظهر جيل جديد اصبح قادرا علي الخروج بنظريات وتطبيقات قائمه علي منهج علمي منظم )

واذا كانت عملية ميلاد الدول والحضارات شديدة الندره وشديدة الختل للعيون والالباب بحيث تجعل المرء يقف امامها مشدوها كما لو كان بصدد ظاهره عجيبه نادرة الحدوث: فان ميلاد القوميات تنسحب عليه شروطا مغايره تماما:

ولا اعلم لماذا كلما قرأت عن موضوع ظهور القوميات ذاك في القرن التاسع عشر وما تلاه اعود بذاكرتي الي فيلم "حديقة الديناصورات": من حيث ان استنساخ مثل هذا النوع من الوحوش القديمه البائده القادمه من عصور سحيقه لا يمكن التنبؤ ابدا بعواقبه:

ومع ذلك قد تتكرر التجربه الاف المرات ويتكرر فشلها دون ان يتصدي احد علي مستوي الجنس البشري كله لمنعها: بل واكثر من ذلك يحاول الانسان "تجويد" فشله فيجمع فيه محتويات فكره ومشاعره او جزء منها لتكون النتيجه فشل مضاعف ليس علي مستوي التجربه وحدها وانما علي مستوي ادراكه-وادراك الاخرين- لتراثه لتكون النتيجه –في العاده- ازمة هويه
                                                                                                                           
وعلي هذا النحو توجد مئات الحالات التي لا تكون فيها القوميه اكثر من مخدر او مسكن لحماية اتماءات معينه او حماية النظام السياسي القائم من نقمة النقد والناقدين والمعارضه والمعارضين او عباءه لاخفاء مثالب يكون فيها "الزعيم" من الضعه والخسه وحطة النفس ما يجعله بعيدا عن الفطره الانسانيه السويه وفي نفس الوقت بعيدا عن السؤال والحساب (ليستمر في تنصله من وعوده او التهرب من مسئوليات افعاله او ما لا يستطيع ان يفعله)

بل قد يصل الامر ان تساهم القوميه وبشكل اساسي في استنساخ زعيم من زعيم اخر ليستنسخ بدوره تجربة زعيم ثالث وهكذا (ومعروف ان هتلر نفسه كان يتمني ان يكون نسخه معدله من نابليون ونابليون كان يتمني ان يكون نسخه معدله من الاسكندر الاكبر الخ)

ومع ذلك وبمراجعه سريعه نجد ان الغالبيه العظمي من الاحزاب والحركات الوطنيه والقوميه التي ظهرت ونجحت في اكتساب اتباع تأسست كلها علي ظروف وطنيه عاجله لا يشترط ان تستمر وعلي مبادئ سياسيه واقتصاديه ذات منهج ديموقراطي:

الي حد جعل ميشيل عفلق مثلا-احد مؤسسي القوميه العربيه-يكتب يوما: "الحل امام العرب هو الوحده وطريقهم للوحده من خلال الديموقراطيه":

وفي حالة الصهيونيه-ايا كان وجه الاتفاق او الاختلاف معها- وهي لا تختلف في واقع الامر عن اي قوميه اخري- نجدها حافظت-ومنذ بدايتها-والي اليوم-علي مبادئها الديموقراطيه: بل انها اعطت المرأه حق التصويت والترشح لاي منصب حتي قبل ان تحصل علي هذا الحق في بريطانيا:

ومع ذلك -وبشكل عام- فان الصفه الاساسيه لكل وطنيه او قوميه هي انها مهيجه ومحرضه وحاشده: انما درجة التهييج او التحريض او الحشد هي التي تتفاوت من مجتمع الي اخر: ومن وقت الي اخر

وهكذا وفي حالات كثيره تستغل القوميه الظلم الذي وقع علي شعب او تلعب علي وتر التفوق علي طرف اخر ومعاداته (غالبا ما يكون بدوره قوميه اخري) او ابتكار عصبيات داخليه واتهام اطراف بالتامر والعماله الخ كيما تستمر مشاعر التمييز والتعصب متقده: فالقوميه تسأل الناس ان يكونوا دوما عاطفيين واصلاء وشرفاء و"رجال" ومنتمين وتسألهم–في نفس الوقت- ان يضحوا بعقولهم وبكل ذلك-وفي لحظة واحده- في سبيل الامن القومي والصالح العام والاستقرار (وهي مصطلحات غالبا ما تتولي القوميه وحدها مهمة تحديد معانيها واهدافها وخططها)

وهكذا قد يكون من الصعوبه الحديث عن هذا النوع او ذاك من القوميات دون ان نتحدث عن عصبة الدعائيين الديماجوجيين او اولئك الذين يتصدون لمهمه الترويج للايدولوجيا واقناع الناس بها: وهم في الغالب عناصر مدفوعه بمشاعر وقتيه هوجاء او مشاعر موروثه او مشاعر مأجوره وموظفه بصوره مباشره او غير مباشره من جانب السلطه لا تملك الا ان تؤدي ما هي مجبره عليه من مهام:

وما لا يصدقه العقل يصدق علي هؤلاء فيما يتخذونه من حيل لا يمكن ان يكون صاحبها ابدا انسان شريف منها مثلا انهم لا يكفون عن استعارة قحة العامه البسطاء للتواصل معهم والتأثير الرخيص عليهم دون ان يكون هذا من شأنه تعديل او تطوير قيم وحقائق ومشاعر ومفاهيم ملتبسه لديهم:

ويتزامن مع ذلك عادة استخدام شعارات وطنيه او دينيه علي طريق استدرار عواطف الشعب نحو ولاء اعمي للايدولوجيا او لكل ما يقوله ويفعله الزعيم (باعتبار ان الزعيم الجهبذ وحده هو الذي يعرف دائما علي نحو افضل بافضل ما يكون حين لا يكون هناك دليل او برهان فلا دليل او برهان في وجوده!)

انها نفس ايدولوجيا "الفرعون" كما شرحت مسبقا: اللعب علي تأكيد انه وحده المطلع علي ما هو خاف وهو الخاف عن كل من هو مطلع: صانع الفضل والكرامه والكبرياء وموحد البلاد: وانه "الفحل" اسر النساء: "الاسد" الشجاع الشديد في بطشه (ايا كان نوع الاسد طبعا: فارسي او سيبيري: ذكر او انثي: فكل الانواع نجدها بالسيرك): قاهر الاعداء: المحبوب من "الجميع": فلولاه لما دخل احد مدرسه ولما وجد احد عملا شريفا او شرب كوب ماء نظيف: ولما اتم طفل فطامه او وجد من يمسح له–احم- لعابه (والفقره الاخيره من عندي):  

فيما لا يخلو الامر من مديح-علي الجانب الاخر-"لادراك العامه الفطري" لكل ما يقال وما يجب ان بفعلوه: وان خان العامه البسطاء احيانا الحكم الراجح (وهو شئ مفهوم طبعا في رايي ولا يدعو الي الخجل فمهمة الانسان الرئيسيه في الحياه هي ان يتعلم ويعلم والا اصبح اي حديث عن عملية تغيير او تطوير او تنميه او حتي اصلاح لا معني له): ولو انتهي الامر الي افساد النظام التعليمي والتربوي والثقافي وبشكل شبه متعمد وتفريغه من مضمونه لنجد منهم من يصب نقمته علي العلم والعلماء والثقافه والمثقفين خصوصا المستنيرين منهم او المستقلين او المعارضين ثم يدعو العامه البسطاء الي احتقارهم علي طريقة: ايها الوغد: كن وطنيا مخلصا واقرأ ما هو بلغتك او ما يعبر عن دينك وهويتك او اشتر ما هو محلي من صنع بلدك الخ (ويجب علي الانسان الواعي الفطن ان يتنبه الي ما في افكار هؤلاء من خداع فينظر الي هذا النوع من الاقاويل بشئ من الحذر بل التوجس والارتياب)

وكم يصدق هذا في المشاحنات التي تظهر علي هامش بعض الاحداث التاريخيه او العقائديه او بشكل ادق علي هامش انقاذ التاريخ والعقيده من التحريف:

وهنا يكمن جوهر "الجرم" الشنيع الذي يرتكبه نفر الديماجوجيين: خصوصا اذا ما فاقت براعتهم ضمائرهم–للاسف الشديد- ليصبحوا بحق-وهذا هو المؤلم- اساتذه لجيل جديد يصر فريق منهم -بعلم او بدون علم-بقصد او بدون قصد- علي مط شعبية "الزعيم"-حتي بعد رحيله- والي اقصي حد- كلما واتتهم الفرصه: وان اعترفوا مرات عده بنواقص هذه الحقبه او تلك والحاجه الماسه الي مراجعتها وتصحيحها (وان فشلوا في ذلك ايضا): وان انغمسوا في العديد من المغالطات خاصه فيما يتعلق بردودهم علي حالات الفساد التي حدثت في عصره: في مقابل كل هذا اللغو حول ان الزعيم كان لا يعرف او انه لم يكن قادرا علي السيطره (لارتباطه مثلا–وهذا يوضح حجم فوضي المفاهيم-بمشاعر معينه تجاه اصدقائه الذين استولوا معه علي السلطه سواء من بقي منهم فيها او من اقصي او "انتحر" في ظروف غامضه): ومع ذلك قد يعترفون علي الجانب الاخر ان "الزعيم" كان لا يترك صغيره ولا كبيره الا احصاها وانه كان يراجع "التقارير" والمراقبات والتسجيلات التي يرسلها اليه جهازه سري ويتخذ قرارا بشأنها

وفي ذلك يذكرني هؤلاء-الاساتذه والتلامذه- بصانع العاب ناريه يهم بعرض ما بذل من جهد ووقت في اعداده علي الناس–في حماس- بظن ساذج انهم لن يدركوا الفارق بين صواريخ العيد ومضاد الطائرات ثم يكتشف–بعد فوات الاوان– ان جمهوره من "الخبراء الاستراتيجيين" او من اهل المهنه –اي صانعي العاب ناريه مثله- وان اصراره علي المكابره اصبح حريا بان يفض الناس عنه (مع ملاحظة ان جيل الاساتذه-رغم تميزه- غالبا ما يخاطب جمهورا هو-بكل المقاييس–اقل انفتاحا من جمهور جيل التلامذه بحكم تطور الزمان وتعلم الانسان)

ومعلوم انه بافول كل عهد من هذه العهود عادة ما يظهر دكتاتور جديد ليكشف عن مهازل مروعه قام بها سلفه قادرة في كل مره علي صنع فيلما من عينة "الكرنك" وغيره ومن ثم تبدأ موجه جديده من مطاردة  "الفلول"

ونحن عندما نتحدث عن "فلول" لا نتحدث عن مسالك فرديه وانما عن موجات اضطهاد وتعذيب وقتل جماعي ونهب منظم تليها موجات هروب (او اعتقال) بحيث يصطحب كل هارب ما خف وزنه وغلا ثمنه من "تحويشة العمر" و"مزز" و"خزانة اسرار" الخ متجها في الغالب الي دوله من تلك الدول التي كان يسميها الزعيم "دول امبرياليه استعماريه" (ربما ليحرر الامبرياليين؟)

بما يضع الراصد العليم–او ذلك الذي يملك قدر ولو قليل من الفطنه -في حيرة حقيقيه من امره واختبار صعب اشبه باختبار النبي ايوب حين قال: "الانسان ابن المرأه قصيرة هي أيامه علي هذه الأرض وطافحة بالشقاء: فهو ينمو ليقتطف كزهره وهو هارب أبدا كمن يطارده خيال لا تثابر قدماه علي درب واحد"

والحق ان استبداد بلا فساد هو قول ناقص او ساذج ان لم يكن متخفيا في هيئه لا تقوم علي اساس من ضمير: فالاستبداد والفساد هما–ومنذ البدايه-وعلي مستوي الجنس البشري كله-توأمان متلازمان لا ينفصلان ابدا اينما وجد احدهما لابد وان يكون الاخر: او كما قال القائل: "السلطه المطلقه مفسده مطلقه":

كما ان الفساد–ككل شئ-هو شئ نسبي تماما ومرتبط في صوره ودرجاته بثقافة كل عصر وظروفه والادوات المتاحه

ولنتأمل عينه من "الحكايات" لنتبين الي اي مدي استظهر هؤلاء حياة الافراد علي حياة الشعوب علي اساس من "احداث بطوليه": بما جعل حتي السطحي منها مثار اهتمام

فنجد مثلا كيف ان ذهاب انسان لمقابله افراد اخرين في مقهي او سينما او "كازينو" او محل عمل او  منزل او حتي محادثته تليفونيا اصبح عملا بالغ التنوع والتعقيد امتد طولا وعرضا فيما نجد–علي الجانب الاخر-احداثا من تاريخ الحركه الوطنيه وقد شوهت او طمست او الصقت بمسميات سلبيه

بل وقد نجد ان بعض ما مجدوه من اعمال وهذا هو المضحك حقا-هو في حقيقة الامر اعمال تدين صاحبها اكثر مما تمجده بل يمكن اعتبارها بسهوله "اعمال اجراميه": اذ ما هو وجه البطوله مثلا في ان يشارك المرء في قضية تجسس او عمل تخريبي او تعذيب  للحصول علي اعتراف او اغتيال شخصيه سياسيه واكثر من ذلك نجد من يعترف بانه كان شديد الحرص علي انكار ما فعل (كذب يعني) ليحافظ علي وظيفته او لينل حكم بالبراءه (قد يكون حصل عليه فعلا!)

والتاريخ الذي اميل الي اعتباره نقيضا لفن الروايه–عدا ربما في حالات قليله-هو من الحقائق ومن العام بمثابة الجغرافيا من الاوطان ولذلك ليس لانسان-او جماعه-ان يختزله في شخص او فيما قام به من اعمال (ايا كان حجم هذا العمل ونتائجه) الا بقدر ما يكون للوطن كله الحق في ذلك

ومع ذلك يبقي سلوك الانسان دالا عليه: فالانسان الوطني صاحب المبادئ لا ينتهي به الامر-بعد ان ينجح  في الوصول الي السلطه- الي صدام مع رفاقه في النضال او محاولة ترويضهم او اضطهادهم وكسر شوكتهم او تلفيق التهم لهم او اتهامهم بالعماله :  كما ان الانسان الوطني صاحب المبادئ لا يقلل من قيمة الشهداء

وعلي سبيل المثال: نجد هتلر بعد ان تمكن هو وحزبه من الوصول الي السلطه يستعين بجهاز امني قوي ووزارة دعايه تفند حجج السياسيين والعلماء الالمان وتصنفهم وترد عليهم وتتهم بعضهم بالعماله والحصول علي تمويل الخ بل واحيانا تتهمهم بعدم احقيتهم الانتماء للجنس الالماني نفسه (اي ليسوا المان بما يكفي) لمجرد انهم كانوا مستقلين او معارضين للفكر النازي: تمهيدا فيما بعد -وكما حدث فعلا- لدفعهم الي الهجره او تصفيتهم او قتلهم او حرقهم (وحرق كتبهم) ثم الانفراد بعقول وقلوب السواد الاعظم من الشعب

وفي حين اعطي هتلر- في خطبه وزنا كبيرا–وعلي نحو مضاعف- للجور الذي وقع علي المانيا جراء معاهدة "فرساي" وان العالم كله يتامر عليه "لمنع ظهور واعد لالمانيا متي توحدت" وما الي ذلك من شعارات عاطفيه مثل: "المانيا فوق الجميع" و "المانيا الام" و"المانيا درع اوروبا والعالم ضد المد الشيوعي" ثم "الحياد الايجابي" و"الخيار الثالث" (يقصد ما بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي) الخ: كانت الفكره نفسها–فكرة الظلم- ليس لها الا ثقل بسيط في ذهنه: فلم يكن هتلر يعبأ بعداله او سلام بل كان يكسب الوقت ليسلح الجيوش ويخوض الحروب لاخضاع اوروبا كلها-وليس المانيا فحسب- لالته العسكريه:

حتي اتفاقيات السلام والصداقه التي كان يعقدها لم تكن سوي استار يزاول من ورائها الكثير من ضروب الغدر والخداع والخسه (سماها البعض فيما بعد سياسه)

فهناك دائما الشخص الذي يكون علي استعداد لان يفعل اي شئ للتمادي في تسلطه بادعاء انه مظلوم وان الله يؤيده (فيما لا يكون لشعوره هذا عادة مبررات كافيه) وهناك–في جانب اخر-من يتنازل عن عقله ويتجاهل الاولويات والحقائق (وما تراه العين وتسمعه الاذن) بل يتجاهل واجب محاسبة الظالم واسترداد الحقوق بادعاء من "استقرار" او لصالح اهداف فرديه او فئويه

وفي كل الاحوال تعمل الة الدعايه مدعمه بالقوه الغاشمه واساليب الحرب النفسيه علي فرز الجميع والتأكيد علي تفوق الزعيم وتنمية المشاعر او الغرائز التي تفيده: وبتكرار التجربه-وهذا النوع من التجارب يمكن تكراره كثيرا وبمضامين مختلفه- قد لا يستطيع الانسان العادي-وسط الاجواء الملتهبه المشحونه- ونقص المعارف- ان يقرر-بكل مشاعر الصدق والنزاهه-من المصيب في هذه الحاله فقد يكون اي احد مخطئ!

بالضبط كما لا يستطيع المنوم مغناطيسيا ان يدرك الفارق بين ثمرة الجوافه والبطاطس فيقبل علي اكل البطاطس النيئه (بطينها) بكل الشغف الذي يأكل به الجوافه اللذيذه

وقد لا يكون من الصعب ايضا ان نجد من يصر علي ان العالم مسطحا مثلا–كما قرأ في كتب الاجداد-وليس كرويا وسوف يجادل بعنف ان الارض مسطحه مزدريا ومشككا في كل ما حصله الانسان من معارف منذ جاليليو وحتي اينشتين: فالشخص المنوم لا يستطيع ان يري او يسمع او يشعر الا ما جبل عليه او مره اخري: الغرائز والعواطف والاحكام التي يروج لها الزعيم او الامام:

وهكذا قد ينتهي الامر بان تنحصر المشاركه الشعبيه في صنع القرار السياسي بل العمل السياسي نفسه في حدود نظرية المؤامره وتظاهرات التأييد

وبالنسبه لنظرية المؤامره: فانا شخصيا اعتقد انه لا يلجأ اليها الا فريقين من الناس: من لا يعترف باخطائه-او بالحقائق–ولا ينوي الاعتراف-فيجد من التكتم والانكار بل اتهام الاخر بالتامر او العماله وسيله لابعاد الانظار واخراس الالسنه (وبالتالي اعادة تدوير ما هو رائج وتأكيد ما هو مغلوط): او من لا يعرف ولا يعرف كيف يقول: "لا اعرف"!

والسبب في ان نظرية المؤامره مثيره للاهتمام هو انها تبث في النفوس شعورا ما بالاثاره والتوحد والتجانس وتبرير الذات (مناهض -في نفس الوقت- لطرف اخر):

اما بالنسبه لتظاهرات التأييد: فانا لا افهم الفكره اصلا: بمعني لا ادرك معني دقيق للمفهوم برمته

كما لا افهم كيف تجد حكومه جاده منشغله بالكامل بالعمل والانتاج وقتا لتنظيم تظاهرات تأييد او حتي السماح بها ايا كانت حجم انجازاتها: وان بلغت السعاده بالشعب مبلغها فحسب نفسه  في حديقة عدن مثلا تحفه الملائكه فلم يعد لديه من مشاكل العالم وهزائمه وانكساراته الا احصته الحكومه ووجدت له حلا

ولا افهم من اين يأتون بالميزانيه التي تمكنهم من تحريك مثل هذه التظاهرات-اذا ما فعلوا- اذا كانت رواتبهم هي كل ما يملكون (تلك التي يدفعها لهم الشعب؟)  

بل لا افهم لماذا تبلغ النقمه ببعض الحكومات فينفعلون مترفعين مغاضبين حين يسألهم احد عن الارقام والحسابات او يطالبهم بعرض تقارير مفصله عن نتائج اعمالهم علي الشعب: مع كل ما يروجون له انذاك من حجج تخص الكبرياء مثل "التخوين" وخلافه (كما لو كانوا يعملون بلا مقابل)

او حين يستخدمون القوه المفرطه مع تظاهرات الاحتجاج  والاعتصامات كما لو كانوا يحاربون اعداء او كما لو كانت الحكومه "الدلوعه" لا تستطيع ان تعمل تحت ضغط!

وقد تتجاوز الكوميديا كل حدود فتخرج تظاهره تأييد لمواجهة تظاهرة احتجاج او لاحتلال ميدان ردا علي احتلال ميدان اخر

وقد يحدث ذلك بعد ثوان معدوده من خروج تظاهرة الاحتجاج او بعد "تنحي" الزعيم لتطالبه بالبقاء رافعه –الي جوار صوره-ووعود التغيير-فزاعة التخويف من ان "يتزعزع الاستقرار" او ان تعصف بالبلاد "فوضي" او "تسقط الدوله" (وهم في هذه الحاله ينتقلون-وحسب الظرف -من مجرد التخويف الي التهديد المستتر وفي لمح البصر): ليعود الزعيم الي منصبه "بناءا علي ضغط الجماهير" في اليوم التالي مباشرة (قبل ان يغير احد رأيه؟)  

ويباح لك ان تتخيل–وبكل حريه- معاناة اولئك القائمين علي تنظيم هذا النوع من التظاهرات عندما يتحدثون مثلا عن مطامع "الموظفين المتوحشين" الذين قد "يتصادف" انضمامهم للتظاهره وطلباتهم المبالغ بها اذ قد لا يكتفون –مع تنامي تظاهرات الاحتجاج علي الجانب الاخر- بما كانوا يحصلون عليه من قبل من وجبة طعام وبدل انتقال (بصوره وديه طبعا) بل صاروا يطالبون بمصروف يومي وتحسين نوعية الوجبات: فهم حسب رأيهم: ليسوا بصدد حضور مباراة كرة قدم مثلا لتشجيع المؤسسه التي يعملون بها وانما مهمه قوميه ذات طابع معين يخص "الامن القومي" و"الصالح العام"

وقد يلاحظ المتابع لهذا النوع من المفاوضات حجم الانسحاق الرهيب الذي يظهر علي وجوه المنظمين حين يتحول الحديث الي تفاصيل اكثر تفصيلا مثل: جمبري ام دجاج ام كفته وكباب؟ (بدلا من "الحواوشي" طبعا): ولعل هذه هي القشه التي من الممكن ان تقصم ظهور المنظمين بما لا يحتملون فتدفعهم الي نصح "الموظفين المتوحشين" بنذر انفسهم للصيام او تحذيرهم من مرض النقرس (باعتبار ان كثرة تناول اللحوم تصيب بالنقرس والنقرس سيمنعهم حتما من الخروج الي التظاهرات) او تحذيرهم من عاقبة عدم التمسك بفضيلة "القناعه"–خصوصا في ايام الجمع-فمن لا يقنع لا يأمن وقد يقع حظه العاثر-حتي في حالة قبوله "الحواوشي"-في رغيف خبز "بايت" مثلا او يظهر له "طرف ثالث" في الوقت والمكان غير المناسبين علي الاطلاق (فلا احد يدري ما الذي يمكن ان يحدث: اذ ان حالات عدم القناعه او عدم الرضا بالقليل غالبا ما يكون قرينها الشيطان وفي وجود الشيطان كل الاحتمالات مفتوحه)
                                  
والحق اننا اذا ما تتبعنا تظاهرات الشعوب-عبر التاريخ- نجد ان تظاهرات التأييد تلك ظاهره فريده تستحق الدراسه: فلم تعرف البشريه ابدا–ومنذ حادث تنافر الالسنه ببابل القديمه- تظاهرات تخرج خصيصا من اجل تأييد الحاكم (وبهذا الحجم) كما عرفتها مع الفاشيين الفاسدين بداية بالقرن العشرين:

حتي في عصور الفراعنه القدماء لم يكن الفرعون بحاجه الي تظاهرات تأييد او خلافه طالما انه مقدس فعلا كاله او ابن اله معبود عبر الاجيال وله تماثيل ومنحوتات في كافة معابد البلاد يسجد لها القاصي والداني: ولذلك كان المفهوم الوحيد للتظاهر في تلك العصور وما تلاها هو ان يخرج الناس للاحتجاج علي ظلم

وعلي اية حال فتظاهرات الاحتجاج والاعتصامات والاضرابات ظاهره موجوده بشكل شبه يومي في الدول الديموقراطيه ولعقود طويله ومع ذلك لم تتوقف الحياه ولم يعتبرها احد جلبه فارغه او شكل من اشكال التعطيل والتعطل بل علي العكس كانت دوما علامة حياه ونضج ساهمت–ومازالت تساهم-في بناء شخصية الافراد والمجتمعات وحصولهم علي حقوقهم (فيما يختفي اي اثر لتظاهرات مؤيده للحكومه بطبيعة الحال)

واظن ان الجانب الاخر لعملية تنظيم تظاهرات التأييد تلك (الي جانب تفريغ مظاهر الاحتجاج من مضمونها طبعا) واصطباغها بصبغه فرديه او فئويه: يكمن في شعور الفاشي الفاسد بالوحده بعد ان انفصل عن الناس (خشية ان يكتشف احد انه بشر؟): لقد وصل الامر به حدا انه صار لا يستطيع ان يقلب–نفسيا علي الاقل- عملية انفصاله تلك الي عملية تفاعل وتناغم وانسجام (ومحاسبه؟) بصوره طبيعيه فاضطر الي اختراع اطار زائف لها: اذ يكون قد انساق بالكامل الي ايات "التقديس" التي يجدها مع حاشيته فصار مجرد سماحه للناس بالجلوس في منازلهم لمشاهدة التليفزيون او الاستماع الي ام كلثوم مثلا (اغلبيه صامته؟) دون اظهار درجه من درجات الولاء (وان كانت مزيفه) يصيبه بالعجز ويجعله مقصرا امام نفسه:

فالروابط التي تقدم الحشد علي النتائج صارت-من وجهة نظره-اهم مما عداها: واكثر من مجرد "التسليه": بل لها علاقه بحاجته الملحه للشعور بالامان وتحقيق الذات وشهوة القوه والسيطره: الي الحد الذي يصبح معه احيانا هذا الانفصال بالمقارنه مع واجباته قويا وشديدا بشكل شبه مطلق (بالضبط كما ان الاقتراب من الشعب اصبح يثير–علي الجانب الاخر-مشاعر قلق وخوف من تهديدات محتمله حافله بالخطر وبشكل ايضا شبه مطلق): اذ لم يعد الدكتاتور جزء من عالم اكبر منه-كما هو الطبيعي- يدرك مسئولياته وحقوق الناس عنده (ومنها حق الاطلاع علي دفاتر الحسابات؟) بل اصبح فردا والعالم كله جزءا منه: لذا فانه اذا ما وقف وحده في مواجهة العالم فهو يدافع عن حق وعن مصلحه عامه

وهو الدافع نفسه الذي يجعله يزور الانتخابات وبنسبه تقترب من نسبة الاجماع فهو طبعا–وكما شرحت-لا يرضي عن الاجماع بديلا وبعد ان اصبح بديله ملعون او منبوذ

واذا عدنا الي موضوع "التنحي" فكما ان الرضيع لا يستطيع اطلاقا ان يرتد عائدا الي رحم امه سواء بيده او بيد غيره (قيسيولوجيا علي الاقل) فان الفاشي الفاسد بالمثل لا يستطيع ان يتنازل عن السلطه فهو بتنحيه لا يعرف ما الذي سيفعله بعد ذلك اذ سيصبح في نظر نفسه اشبه بجامع التحف الذي يهرب من الطبيعه من شروق الشمس وغروبها وتغريد الطيور وتراقص الاغصان ليحملق في مجموعه من النباتات الجافه وتماثيل الحيوانات المحنطه الميته او مناظر مرسومه علي قطع من نحاس هي في الغالب صور لخصومه

ولذلك ليس غريبا ان يحاول الزعيم -ولانهاء المشكله من جذورها- تصفية الطبقه الوسطي

فالطبقه الوسطي المتعلمه–وحتي ادني شرائحها- ولمن لا يعلم-هي الموكله بتحريك المجتمع وتحفيز دينامياته: وهي الطبقه المفكره المتزنه صاحبة المبادئ التي تضع علي عاتقها محاولة التوفيق بين طبقات وطوائف المجتمع فتتبني قضايا الحقوق والحريات وحقوق الانسان والمرأه والاقليات وقضايا التمييز والفساد وسوء استخدام السلطه الخ وتدافع عن الديموقراطيه بصفتها مصلحه عليا

وفي نفس الوقت تعمل الطبقه الوسطي علي ايجاد حلول مناسبه للاثار السلبيه الناتجه عن وجود طبقه ثريه متسلطه فتنحاز للعمال والفلاحين والفقراء والمستضعفين وتنادي بمواجهة الاحتكارات والطبقيه دون حرمان البلاد –في نفس الوقت-من مزايا وجود رأس مال خاص واستثمارات

وهي تفعل ذلك كله عادة بطرق هادئه وفي اطار من اسس النظام السياسي والاقتصادي والقانوني القائم: اي دون ان يقتضي ذلك بالضروره  قفزات راديكاليه مفاجئه من شأنها الخروج بنتائج معقده او متناقضه او عنيفه (تبدأ عادة من القاع): ودون ان تتهم بالرومانسيه او المثاليه او العماله او الغرابه او الجنون طبعا

فالطبقه الوسطي ليست بطبيعتها طبقه ثائره بل غالبا ما تفضل الحلول الوسط

لذلك فعندما تثور الطبقه الوسطي فهذا معناه انه لم يبق امامها من وسيله للقيام بدورها الا هدم ما هو قائم وتشييد بناء جديد

وعادة ما تكون الاسباب قد تجاوزت فعلا حدود الاضطهاد والنبذ الي حد ظهور خلل خطير في بنيان المجتمع نفسه اذ غالبا ما يكون النظام القائم قد فشل بالكامل في تقديم حلول لاية مشكله وعلي كافة الاصعده بل غالبا ما يكون النظام نفسه قد انهار من داخله وتهاوت اسسه (ربما بسبب ان هناك ظلم جائر وفساد غير عادي ينخر تلك الاسس الي حد انها-وليس الاشخاص الذين سمحوا  بالظلم والفساد فقط- اصبحت غير صالحه بصورتها الحاليه ومن ثم لزم تغييرها واستئصالها من جذورها؟)

والواقع ان هذا هو ما حدث بالضبط في كافة مجتمعات الشرق الاوسط-وظهر بشكل اكثر كثافه مع بداية القرن الحالي: اذ عاشت تلك المجتمعات-وبالتحديد الطبقه الوسطي - اوقاتا صعبه للغايه اوشكت فيها–وعلي الرغم من كل ما اكتسبته من معارف وخبرات وثقافة عصر- علي ان تعود كما بدأت طبقه معدمه مهمشه تماما ومحاربه في رزقها الي حد اصبح عليها ان تكافح بشده حتي تبقي حيه وموجوده

فالطبقه الثريه في هذه المجتمعات لم تستأثر بالمال والسلطه فحسب بل وانغلقت تماما علي نفسها بحيث انه كلما زادت درجة رفاهيتها زادت درجة تسلطها وتوحشها وانفصالها عن المجتمع: وبالتالي ضاعف ذلك من شعور الطبقي الوسطي-وسائر الطبقات الاخري- بالضاله والنبذ (والغضب؟) فصارت متضرره اكثر من كونها مستفيده من وجود راس المال

وهكذا صار علي الطبقه الوسطي –بعد ان ضمنت وجود عدو دائم لها في صميم اسس المجتمع- وفي ظل ظروف ازمه اقتصاديه عالميه- ان تثور لا لانها مهووسه بفكرة الثوره ولكن لانها مضطره الي ذلك

بيد ان هناك مفاجأه صنعت عامل اضاف الي الثوره الحاليه-ثورة الياسمين- زخما الي زخمها وقوه الي قوتها: فالجماهير من ابناء الطبقه الادني المعدمه (والتي تكاد تكون–في هذه الحاله-بالنسبه للطبقه الثريه المتسلطه-غير موجوده اصلا اشبه باشباح) تلك التي لم يتسن لها ابدا ان تشارك في اي شئ (وبعد ان ظننا انها رضت نهائيا بحالها وفقدت احساسها بالظلم الواقع عليها) صرنا نراها اليوم–خلاف المتوقع- تستجيب الي نداء الثوره وتخرج الي الشارع –ولاحقا الي صناديق الاقتراع- وتقدم شهداء

اكثر من ذلك اصبحت تلك الجماهير-وبسرعه قياسيه-قادره علي التعلم واكتساب مهارات وترديد مفاهيم ومصطلحات الثوره ومطالبها والتفرقه -والي حد كبير- بين الخاص والعام  وبين الديموقراطي والفاشي الفاسد (وان كانت فيما يخص التفرقه بين السياسي والانتهازي الافاق الملتحف بالوطنيه والدين: الدوله المدنيه والدوله الدينيه: الديموقراطيه والانتخابات: الديموقراطيه وحكم الاغلبيه: لا تزال في حاجه الي مزيد من المحاضرات 0-×):

لقد وثقت تلك الجماهير بما وفرته لها الطبقه الوسطي من وعي وطاقه وثقافه وامل في المستقبل: واستثمرت ما اكتسبته من معارف الي حد ان مشاعرها اصبحت مستقله تماما عن القصور التي كانت تديرها منذ شهور قليله وبشكل شبه كامل:

والامر بسيط: لقد ادركت تلك الجماهير ان القصور كانت حريصه طوال الوقت علي ابقاء مظاهر الضغط والكبت والفقر والظلم والجهل لصالح استئثارها بكل مظاهر الحياه وبصوره شبه مستمره: بمعني ان تلك الجماهير ادركت ان ساكني القصور اصبحوا عقبه–ليس فقط علي طريق اشباع احتياجاتها الاقتصاديه والفسيولوجيه- وانما ايضا علي طريق تطوير الذات وتحقيق الاحلام وعلي جميع المستويات: تعليم وبيئه وصحه ودين وثقافه الخ من اجل علاقات اجتماعيه متميزه ومستقبل مشرق للاجيال التاليه

بكلمات اخري: ادرك السواد الاعظم من الشعب ان الحريه كرغيف الخبز وكالماء والهواء والدواء وان العلم كالكرامه والعداله والمساواه: مكونات اساسيه من مكونات الحياه لا يمكن استبعاد اي منها. وان قيم الديموقراطيه ومشاعرها وافكارها ليست في حاجه الي بحث او دراسه او مؤهلات او مراجع علميه وانما الي افراد يؤمنون بها وينقلونها الي غيرهم لتصبح جزءا من واقعهم:

وليس غريبا فقد اصبحت تلك الجماهير ومنذ اللحظة الاولي لخروجها الي الشارع غير محددة الكيان (اي مصدر لكل ما هو غير متوقع منها وفي اي وقت): وهو موقف –في رأيي- ثوري بامتياز

وانا اقف دوما وقفة اجلال امام قول القائل: "ان الطابع المزيف الذي يمكن ان ينتحله الانسان مرهون بالكامل باستعداد الانسان للتحكم في عواطفه وغرائزه واطلاقها في الاتجاه الصحيح: وان اشد التصرفات جمالا وكذلك اكثرها قبحا ليست جزءا من طبيعة انسانيه بيولوجيه مدفوع عليها الانسان دفعا وعلي نحو ثابت: بل هي نتيجه عمليه انسانيه واجتماعيه تشكل وجدان الانسان"

كما استنير بما ذهب اليه ارسطو من حيث ان هناك علاقه اساسيه بين الاخلاق وبين السياسه والاجتماع:

ونجد في العديد من الايات القرانيه الكريمه ما يؤكد علي ان الانسان جبل بفطرته علي الخير وان الخالق انشأه "خلق اخر" وفي "احسن تقويم" بعد ان "نفخ فيه من روحه" ففضله بذلك علي سائر خلقه وانه بتلك الروح يهديه  "فييسره لليسري كما ييسره للعسري" وانه وضع علي عاتقه ان يهديه: "ان علينا للهدي وان لنا للاخرة والاولي" (قران)

بل واكثر من ذلك زرع داخله ارادة الاختيار الحر بين الخير والشر: الخطأ والصواب: الكفر والايمان

والدليل علي ان السواد الاعظم منا لا يميلون بطبيعتهم الي التعالي والشر وايذاء الناس هو انهم لا يفعلون ذلك بدافع التريض او الهوايه (كما تفعل بعض الحيوانات المفترسه الصياده) الا اذا اصابت الانسان عله نفسيه -او عقليه- معينه (مثل بعض طغاة هذه الايام) او سقط تحت تأثير ادمان الخمر او المخدر او المقامره او تحت تأثير اصدقاء السوء فزين له الشيطان عمله (وبعد الحاح) فضله عن السبيل

وحتي في الاحوال التي نكون فيها منساقين تماما وبكل جوارحنا الي اغراضنا الفرديه فاننا كثيرا ما نشعر بالذنب -واحيانا بالالم- فنتمني لو كنا قادرين علي ان نذهب الي محتاج او محروم لنقتسم معه رغيف خبز

بما يجعلنا نستطيع–وفي احلك الظروف- ان نتقدم بالمساعده لاناس قد لا نجد في صحبتهم ادني متعه او ممن لا يشاركوننا نفس الانتماء الديني او الثقافي او الوطني: واكثر من ذلك قد نتذكر من اصبناهم بمكروه ونندم ونذهب لنعتذر اليهم: ونتمني بكل قوانا لو كنا قادرين علي الا نفعل الخطأ قبل الوقوع فيه فنتبادل قدرا مقبولا من القيم الروحيه والاخلاقيه (ودون ان نستخدم تلك القيم نفسها في ان نظهر عكس ما نبطن): اذ ان مشاعر الخير كثيرا ما تهزمنا فتظهر في الوقت الذي نكون فيه قد ظننا اننا تخلصنا منها نهائيا

باختصار: حاجات الروح (فكر ومشاعر وفن وادب ومثاليات وانسانيات وجماليات وروحانيات) ليست مجرد "هلاوس" نابعه من خيال جامح او تأتي في مرتبة ادني من الغرائز كما زعم البعض بل هي جزء لا يتجزأ من الطبيعه النفسيه الموجوده في صميم الكيان–والسلوك- الانساني بحيث لا يمكن نبذه او تقليصه والا دافع هذا الجزء تلقائيا عن نفسه واعلن عن وجوده وبصوره عنيفه: وحسب القانون الطبيعي: لكل فعل رد فعل

بمعني ان هناك اتجاه اصيل لدي الانسان يدفعه تلقائيا الي الاقبال علي حب–وفعل- الخير: وبشكل حر-وبشكل شبه دائم- وعلي اساس من اختيار طوعي (ويعترف فرويد نفسه انه اذا ما وصل مستوي الضغط والكبت الي حد معين يتصاعد خطر التطرف وتظهر العصبيات Neurotics ومن ثم يميل المجتمع الي العنف: ومن المؤكد ان فرويد اكتشف العديد من الظواهر الحسيه والانفعاليه الهامه عند الفرد وقادنا داخل ثنايا النفس البشريه وجعلنا نحدق في دوافعها واستعداداتها ونفهم -وبشكل غير مسبوق- بعض ما يمكن ان يحدث من افعال وردود افعال: الا انه لم تكن لديه –في رأيي-سوي فكره ساذجه جدا–وبدائيه- عما يمكن ان يحدث علي مستوي علاقة الانسان بقدراته الاخري التي تخص الروح وعلاقة الافراد بالمجتمعات: ووجه الخطأ هو ان فرويد بني فكره كله علي ان الانسان مناهض بالفطره لما هو اجتماعي ومتحضر وجميل)

لذا ليس من وظيفة الحكومه ابدا محاولة بتر او تشذيب الاحتياجات الفسيولوجيه البدائيه للانسان الفرد وحصرها دوما في تلك الدائرة الازليه: "نقص او كفاف"

وانما وظيفة الحكومه تدعيم دوافع الانسان الايجابيه واستثمار طاقاته وتوفير البيئه المناسبه له حتي يصبح قادر-باراده حره--وبشكل شبه دائم-علي ترتيب اولوياته وانفعالاته ورغباته علي نحو منظم ومتناسق وخلاق: ناهيك عن الوصول الي صيغة اتفاق متبادل ما بين حريات الانسان وحقوقه وتطلعاته علي المستوي الشخصي وبين مسئولياته نحو مجتمعه والمجتمعات الاخري (ونحو التاريخ؟): ومن ثم يصبح الانسان الفرد قادر علي اشباع معقول لحاجاته وغرائزه الاساسيه والنهوض بمجتمعه في نفس الوقت

وبشكل تصبح معه الاهداف (خاصه وعامه) واضحه تماما في ذهنه وممكنه كما يتبدي الذهب اللامع في قاع كوب الماء الصافي: او كما يري القائد الميداني في عدساته ما يحدث بالميدان من معارك

وفي هذه الحاله تصبح عملية اشباع رغبات الانسان وحاجاته البدائيه مجرد مرحله اوليه في قاعدة الهرم تتبعها مراحل اخري من التسامي والارتقاء وباقل قدر من الضغوط (وهنا يبرز دور التربيه والتعليم والبحث العلمي وتطبيقاته)

وربما يمكن ان نضع هذا في صيغه ابسط فنقول: علي الحكومه ان تشجع الانسان علي ان يعمل وينتج ويأكل ويشرب ويتزوج وينام ويحلم ويحمي نفسه واسرته ويحافظ علي حقوقه وحرياته وكرامته ويحقق ذاته الخ ولكنه لكي يستطيع ان يفعل كل هذا عليها ان تقنعه بان يقبل ان يفعله من خلال منظومه اقتصاديه واجتماعيه وسياسيه عامه

وعلي اية حال فالمجتمع الصحيح غير المعتل لا يكون من اهدافه ابدا ان يصبح قله فيه سعداء ومثاليين واقوياء ومتميزين واصحاء ومتعلمين علي حساب الغالبيه العظمي من الشعب: المجتمع الصحيح يبذل كل ما في وسعه من اجل بيئه ترفع من قدر العلم والعمل والانتاج وفي جو من المساواه والتقدير وروح الفريق ودون جور علي المحتاج والضعيف:

والمؤكد ان مصير الانسان الحتمي والنهائي -ايا كانت قدرته علي الانعزال والانفصال والسلبيه- هو السلام: سواء علي مستوي كل مجتمع او علي مستوي المجتمعات وبعضها البعض

فالوجود الانساني هو تركيبه كيميائيه لا تكف عن التفاعل والاندماج وايضا لا تكف عن الانفجار (اذا ما غلي البركان وتصاعدت حممه )

والوجود الانساني ليس شيئا ثانويا علي الاطلاق او عديم القيمه بل له-وفي ادني صوره- وعلي مستوي كل البشر- وعلي قدر واحد من المساواه- مغزي هام للغايه وجليل لابد من احترامه ورعايته بما يستحق وبنفس الدرجه التي جعلته يستحق رعايه الله

او كما قال الملك لدانيال النبي: "اواه يا دانيال ... لو تعلم كيف هي محبة الانسان عند الله: انها محبه عظيمه لذا اسمع الكلمات واعقلها"

من اجل ذلك ظهرت نظريات اخري للاجابه عن اسئله مثل: لماذا حدثت تغيرات رئيسيه في شخصية الانسان في حقبه تاريخيه معينه بما يجعل شخصية الانسان في عصر ما اكثر عمقا ونضجا وتعقيدا من العصر الذي سبقه؟

بمعني: لماذا تظهر الي الوجود قدرات–واتجاهات- انسانيه جديده قادره علي التحضر والتطور وتختفي اخري عنيفه بحيث تضيف–او تنقص-تلك القدرات–والاتجاهات- الجديده من شخصية الانسان وروح العصر الذي يعيش فيه: ليختلف مثلا انسان–وروح-العصور القديمه عن انسان–وروح-العصور الوسطي ثم كليهما عن انسان–وروح-عصر النهضه وهكذا

وانا اطرح ذلك هنا لانه في احيان عديده كثيرا ما يستمع المرء لاقوال مثل فلان صار مثل اعلي او معلم لعلان وبالتالي يصبح علي علان ان يختار ما بين ان يصبح نسخه طبق الاصل منه (اي يحاكي كل شاردة وواردة تصدر منه سواء في مأكله او ملبسه او هيئته الخ ايا كان العصر الذي نتحدث عنه) او ان يعلن الحرب عليه ويشطب اسمه من ذاكرته ومن كتب التاريخ بل ومن شاهد قبره اذا مات فيصبح اسمه "الذي لا اسم له" او "اللهو الخفي" مثلا كما يفعل البعض اليوم للاسف الشديد: وكما كان يفعل الفراعين القدماء عندما كانوا  اذا ما عاقبوا انسان عقابا شديدا كانوا يقتلونه (ايا كانت الطريقه فطرق القتل المقترن بعذاب كانت انذاك كثيره) ثم يشطبوا اسمه من الجداريات والمسلات والبرديات اي من الوجود كله كأن لم يكن: الي ان تطور الامر لاحقا فاصبحوا يحفرون اسماءهم مكان الاسم المشطوب (وتلك عاده مازالت موجوده بالمناسبه-بصوره او باخري- ولاحظتها بشكل اساسي في مصر)

وحدث ذلك مرارا في عصور مختلفه ومع ملوك عظماء اذكر منهم مثلا الملكه حتشبسوت العظيمه:  الي ان توسع المدعو امون-حتب الثالث-وعلي نحو مكثف- في استخدام هذا الاسلوب فصار علامه من علامات عصره بل تحول الامر معه الي ما يشبه المنهج حاكاه فيه وزرائه وقادة جيشه فكانت النتيجه ان عاش المجتمع في ذلك العصر-ولعقود ثلاثه- ما يشبه حالة انكار جماعي غير مسبوقه الا فيما يتعلق "بالانجازات" طبعا (دع عنك الاكاذيب اذ ان حالة الانكار كثيرا ما تجبر المرء علي ان يكذب): حتي ظهر اخن-اتون بنهجه التعبيري الصادق (ماعث) فتوقفت كل هذه المظاهر (وفي سنوات قليله): اما كيف اهتدي اخن-اتون الي مخالفة ابيه هكذا دون سابق انذار: فهي من الاسرار التي صمتت عنها كتب التاريخ المقروئه (مع ملاحظة ان المكتوب كان بالنسبة لهم منحصرا فقط فيما يعتقدونه من انجازات)

في حين عادة ما تكون المسأله هي ما اذا كانت محتويات الفكر نفسه-ونتيجة نشاطه علي مستوي الواقع- مفهومه وعصريه ومناسبه وليست المسأله ان هذا الانسان او ذاك يبحث عن تقديس: اذ ان هناك فارق كبير بين المحاكاه والاقتداء: فالاقتداء هو ان يمتثل الانسان بجوهر شخصية انسان او مضمون رسالته وبشكل بعيد عن الطبيعه الشكليه للامور والمسالك الشخصيه: فالرساله هي المثل وهي المعلم وليس الشخص الزائل الذي ابلغها ايا كانت مشاعر الود والتكريم التي يستحقها (ورأيي ان جميع اطراف عملية التعليم والتعلم يستحقون نفس المشاعر الايجابيه وبصوره متبادله)

فالرساله مهيمنه ويتساوي في ذلك الجميع بما في ذلك من ابلغها ولذا لا يصح ابدا ان نساوي بين المبادئ والبشر

ويمكن ملاحظة هذه الظاهره بوضوح اكبر اذا ما حللنا اراء هذا النوع من الناس الذين يهتمون اكثر بالطبيعه الشكليه للامور والمسالك الشخصيه بخصوص موضوعات معينه: موضوعات من المفروض انها تثير اهتمامهم باعتبار انهم يتصدون لها بشكل شبه يومي: كالسياسه والاقتصاد مثلا: اسأل اي منهم عن قناعاته السياسيه والاقتصاديه البحته او ما الذي يعتقده من حلول بخصوص مشكله معينه ولماذا اختار هذا الحل او هذا المبدأ: انه سيعطيك في الغالب قدرا من الاجابات (بعضها لا علاقة له بالسؤال) بحيث لا تتجاوز تلك الاجابات ما قرأه او سمعه من اخرين: انه سيقول لك ما يقول باعتباره رأيه هو: ومع ذلك–وهذه نقطه جوهريه- فهو يؤمن فعلا انه رأيه ونتيجة تفكير!

فاذا كان يعيش في وسط ينحدر فيه الرأي من شخص الي اخر من اعلي الي اسفل او علي طريقة السمع والطاعه واحكام الثقاة فان رأيه هذا يمكن ان يكون قد انتقل عبر اناس كثيرين في رحلة الصعود والهبوط تلك وبالتالي تعرض للتحريف اكثر من مره وقد يحكم هذا الانسان-رغم ذلك- علي هذا الرأي حكما ابعد ما يكون عن الصواب فيقترب به من مرحلة الاعتقاد: فيما يكون صاحب الرأي الاصلي قد قاله في لحظه حيره او خوف الا يتطابق رأيه مع رأي محدثه

ونفس الشئ بالنسبه لرأي بعض هؤلاء في الفن او النواحي الجماليه: فقد يذهب هذا الانسان او ذاك الي الاوبرا مثلا او الي معرض رسوم فنيه فيستمع الي موسيقي او يتطلع الي رسمه ويحكم بانها جميله بل ويبتسم بكل ثقه مؤكدا علي رأيه: فاذا ما اصر شخص علي سؤاله لماذا جميله: قد يجد انه لا يملك اصلا تعاطفا داخليا حقيقيا مع الرسمه او المقطوعه او ادراك حسي بالفن او الجمال عموما يمكن من خلاله ان يميز ويشعر ويفهم ويتذوق ويحكم علي الفن والجمال ولكنه رغم ذلك مازال يعتقد انها جميله ومازال يبتسم (ربما لانه اعتاد ان يدرك انه من المفروض عليه ان يقول انها جميله؟ او لانه سمع شخص يقول انها جميله؟ او لاعتقاده ان هذا المكان لا يعرض الا كل ما هو جميل؟)

وبنفس المنطق يكون قمعه لرأي مخالف او بصيره نقديه تصرفا تلقائيا: بل ان اي مشاعر في حضوره غير الاطراء والخوف والانصياع قد تكون غير مقبوله وتدعوه الي السأم ونفاذ الصبر واحيانا تتملكه النقمه فيصف سلوك او كلام بانه يحمل تحديا او لا يعبر عن ادب واحترام ومن ثم يستحق العقاب: وقد لا يكون هناك مبرر عقلاني محدد لحكمه: وقد يكون المبرر مستترا

ولكنه بشكل عام يكون قد افتقد-علي الاقل في هذه اللحظه- الي مشاعر العداله والحق والخير والشفقه الانسانيه القويمه والي جوار ذلك كله: افتقد التفكير المنطقي المنظم: لقد تراجع كثيرا احساسه بجوهر الكرامه الانسانيه اثناء انصرافه الطويل المتواصل الي الاهتمام بالشكل والطقس والانتماءات والتصرفات الشخصيه: لقد تداعي هذا الاحساس داخله الي حد الضمور: وبذلك فقد لا يتأذي اذا ما مر بانسان يعاني من محنه وقد يرفض مساعدته: واكثر من ذلك قد يساهم في المه وعذابه علي الرغم من ان معاييره الشخصيه غالبا ما تكون اساسا اخلاقيه: علي الرغم من انه مدفوع بحكم مسئوليته-علي الاقل كبشر- بالاهتمام بالناس ومساعدتهم: لقد اصبح مدفوعا اكثر بتفسيره الشخصي جدا (الشكلي جدا؟ الوقتي جدا؟ الطقسي جدا؟) للكرامه الانسانيه

ومع ذلك قد لا اجد عذرا مع من يتعاملون مع قضايا الانتهاكات بحياد و"موضوعيه" (خصوصا تلك الانتهاكات التي تحدث اثناء ثوره نضال وطني قامت اساسا لاسقاط الاستبداد والفساد: خصوصا اذا ما تكررت الانتهاكات اكثر من مره وبنفس الطريقه: خصوصا اذا ما اقترنت بها جرائم ضد الانسانيه):

افهم تراكمات الضغط العصبي الفظيع الذي لم ينجحوا في تحمله ذلك الضغط الذي لاحقهم طويلا ربما طوال حياتهم فنسوا الفارق بين السائل والمسئول: المعتدي والمعتدي عليه: الشعب وخادمه: الضحيه والجلاد:

كما اعرف كيف انه من الصعب علي من تأبي شخصيته ان يتكيف مع افكار ومبادئ اخلاقيه جديده ان يتعرف بحسه الشخصي علي ارادة التغيير والتطوير دون ان يتضمن ذلك تجربه فذه اشبه بمعجزه او كارثه (ومثال علي ذلك ان يتحول الانسان مثلا من عادة الاكل بالطريقه الصينيه-بواسطة العصي- الي الاكل بالشوكه والسكين: ان الانسان الصيني او الكوري مثلا قد يتمكن من ان يكيف نفسه مع النموذج الجديد (الشوكه والسكين) غير ان هذا النوع من التكيف لن يكون مفيدا ولن يستمر مالم يكون الدافع من ورائه هو اضافة معالم جديده الي شخصية الانسان او تصحيح معالم –ومفاهيم- باليه عفي عليها الزمان)

نعم اعرف وافهم كل ذلك ولكنني لا استطيع ان اعذرهم

فالحياد او الانكار في هذه الحاله قد لا يكون له ما يبرره علي الاطلاق وهو ايضا شئ مهين للغايه بل مشين (بالنسبة لي علي الاقل): اشبه بمشهد التحرش الجنسي في فيلم "الشموع السوداء" حين اختبئ الاخ الخليع في حجرة حبيبة اخيه الضرير المخدوع ينتظر في خفاء فرصه للانقضاض علي فريسته حتي اذا ما انتبهت وازاحت الستائر وكشفت المستور (والمستور في هذه الحاله قد يكون اشياء كثيره) اذا به يصيح بوقاحه منقطعة النظير: مفاجأه! (كما لو ان الهدف من الاختباء هو لعبة "الغميضه" مثلا او الاحتفال بعيد ميلاد): وهكذا اذا هي تعاملت مع وقاحته ببساطه (اي دون ان تصرخ مثلا) فقد لا يبق لدي المتابع اي بقيه من تعاطف تجاهها

ففي هذه الحاله قد يتعرض الموضوع بالكامل-وبمرور الوقت- الي التحريف فلا يكون السؤال: من هو "كيس الخصي" هذا الذي يفعل ما يفعل في كل مره ثم يختفي ويظل طليقا دون محاسبه؟ كيف ترك طليقا او غير محاسبا او مستترا ؟ والي متي؟ واذا كان هناك تقصير فمن يتحمل مسئوليته؟ بقدر ما يصبح: كيف حدث ذلك؟ وكيف ارتضت هذه الفتاه توريط نفسها في هذا الموقف من البدايه؟ او اذا ما كانت الفتاه ترتدي-او لا ترتدي-ما هو لائق من الثياب قبل ان تتعرض للتحرش او الضرب!

والحق ان العقلنه ليست الحياد او امساك العصا من المنتصف: كما انها ليست اتهام الجميع بانهم مخطئين (باعتبار اننا جميعا بشر والبشر يخطئون) كما لو كنا بصدد "خناقه" مثلا وكما في الخناقات: قد يكرم المرء او يهان

وبالطبع العقلنه ليست التواطؤ والتفريط والتعميه او الخوف وايثار السلامه علي حساب الحقوق والكرامه والحريات ("غمه وتزول"؟) ثم التستر بعد ذلك وراء مظاهر توحي بالفضيله او التدين (ثم التخلي المخزي عن شهاده الحق (وهم شهود) بل واحيانا قد يصل الامر الي حد قلب الحقائق وشهادة الزور باتهام المظلوم وتبرئة الظالم: والسؤال هنا: هل اذا ما شكل هؤلاء حقا حكومه سيكون هذا حكمهم؟ وقد اجد اهمية لهذا السؤال حين يتعين علي المرء ان يبحث عن ذكر–اي ذكر -لحقوق انسان في برامجهم دون جدوي: وقد تبرز اهميته اكثر حين نكتشف ان من يشعل فتيل الازمه-في كل مره-قبل ان ينأي بنفسه بالكامل عن "ميدان" الاحداث (درءا للشبهات؟) هم هؤلاء انفسهم)

باختصار: العقلنه ليست اداه لاختراق المبادئ بل هي محاوله لايجاد تناغم بين مبادئ الانسان (وكرامته؟) والواقع المعاش

وانا عندي في هذا الصدد معيار استعرته من "جوته" Goethe: فانا اعتبر ان الانسان واضح المشاعر والمفاهيم الذي يلقاك وجها لوجه ويصارحك بقناعاته الحقيقيه هو انسان امين حري به–وان كان يختلف معك في العديد من النقاط - ان يعاملك بشرف او يتوصل معك الي تفاهم او اتفاق او حتي يعترف باخطائه ويصالحك اذا ما اخطأ في حقك اما الخصم المستتر خلف احداث تاريخيه محرفه او قناعات خفيه او مفاهيم ومشاعر مغلوطه لا يعلنها الا اذا صار يملك من اسباب القوه الباطشه: فهو انسان–اضافه الي جهله وانتهازيته- جبان بل وضيع لا يجد في نفسه الشجاعه لان يجاهر بارائه او يعترف باخطائه او نقص معارفه دون ان يخشي انكشاف امره: اذ ان المسأله بالنسبه له لم تعد رأي او مبادئ او مشاعر او افكار وانما–وكما شرحت- هي اللذه التي يجدها في الحصول علي القوه والسيطره دون ان يلقي ما هو حري به من حساب (وعقاب)

وفي حالة اذا ما كنا نتحدث عن اناس يمطون مفهوم الحريه مطا ليلائم معارفهم (وهي قليله وغامضه ولاتقوم علي اساس علمي منظم بل هي في واقع الامر نتيجة ارتجال وارث استبدادي ومنذ البدايه): ثم يخوضون الانتخابات بمفهوم "الانتخابات الاولي والاخيره" او "الانتخابات = الديموقراطيه" او "الانتخابات = الجنه" وان استباحوا لانفسهم في دعايتهم الانتخابيه استخدام-الي جوار الدين-اموال غير معلومة المصادر ولا تتناسب ابدا مع الفتره الزمنيه التي قضوها خارج السجون

واذا ما كنا نتحدث عن سلطه لصه خليعه اكتشف القاصي والداني فضيحتها ومع ذلك تصر علي الكبر والمكابره فلا تملك حتي شجاعة المصارحه بما هو مفضوح اصلا او دفع "تكاليف التوبه"

واذا كنا نتحدث عن مؤسسات باقيه علي فسادها واموال منهوبه تذهب ولا تعود ومحاكمات هزليه شكليه (سواء في صورتها السريه او العلنيه) وشهادات–ومستندات- تحتجب او تختفي ثم علي الجانب الاخر اضطهاد وقتل وضرب وسحل ودهس واتهامات بالعماله للثوار والسياسيين ومنظمات حقوق الانسان والاعلام الحر

واذا كنا نتحدث عن الاستعانه باشخاص يعملون في اي ظرف ويجيبون عن اي سؤال عادة ما تكون مبادؤهم واعمارهم واساليبهم متطابقه مع الفاشي الفاسد الذي عينهم: فيما لا تتجاوز مهامهم عادة  مهمه "جس نبض الشعب" او التنبؤ باتجاه الريح ودرجة الحراره والرطوبه وحجم الضغط: اشبه بخبير الطقس (ومع ذلك فالفاشي الفاسد قد لا يعول كثيرا علي رأي خبير الطقس الذي عينه اذ كثيرا ما يعتمد علي خبراته الشخصيه (تلك التي نعرف نتائجها طبعا) للوصول الي حكم تقريبي: وهذه نقطه جوهريه: فمن المحتمل ان يحصل خبير الطقس علي صلاحيات او يأخذ الفاشي الفاسد عنه رأيا او تدعيما لرأي او نقضا له ولكن الفاشي الفاسد سيكون مستعدا وفي كل الاحوال وبيده مظلته اذ ليست الرياح كلها صيفيه كما ان خبير الطقس بشر وايا كانت قدراته قد لا يكون قادرا في كل مره علي الحكم والتنبؤ وبنفس الدقه او قد يستيقظ ضميره فيطلب الاطلاع ليس علي خارطة الاحوال الجويه فحسب وانما ايضا علي "دفاتر الحسابات" وقد يرفض دخول مكتبه–مره اخري- علي جثث الشهداء او وسط اوجاع المصابين)

واخيرا اذا ما كنا نتحدث عن حقوق وحريات وعداله اجتماعيه وكرامه انسانيه وتعدديه سياسيه وانتقال حر للسلطه

فنحن اذن نتحدث مرة اخري عن ازدواجية الحريه

وقد يكون المكسب الوحيد في هذه الحاله هو ان يسأل المرء نفسه (مرة اخري): هل اذا ما واصل الانسان المضي في هذا الطريق-وعلي هذا النحو- وفي ظل عدم وجود ضمانات-سيصل فعلا الي ديموقراطيه ؟

اذا كنا بصدد الحديث عن مصر بالتحديد: اظن انه سيكون من قبيل الغمط الا يعود الانسان بذاكرته قليلا الي الماضي: فالمثل الذي يقول لا شئ يخرج من العدم يصدق في هذا كما يصدق في اي شئ اخر

الاثنين، 5 ديسمبر 2011

ازدواجية الحريه (1)



"قال ما منعك الا تسجد اذ امرتك؟ قال انا خير منه: خلقتني من نار وخلقته من طين" (قران)

والسؤال: هل كان يمكن للشيطان ان يسقط في مأزق الفردوس المفقود بدون هذا الاعتزاز المفرط بالنفس؟ وهل اعتزازه بذاته –وان كان مبني علي اساس- يصلح لان يكون مبررا لتوريط الاخرين معه في الغوايه؟

في البدايه لابد وان نتفق ان اية محاوله للاجابه عن هذا السؤال سوف تفضي بنا مباشرة الي المبادئ الاولي لسيكلوجية الشر

بمعني ان افتتان الانسان بنفسه وحرصه الشديد -في نفس الوقت- وبشتي الطرق- علي اغواء غيره وان ادي ذلك الي تدمير المعبد علي رأسه ورؤوس الجميع هي الفكره البكر وبداية الطريق نحو الشر:

في حالة الشيطان كان الخيار بسيطا: لكي يناشد كبريائه الذي هو الحياة نفسها بالنسبة اليه فقد وجد من عنصره–وعنصره فقط-  ذريعه لان يتحدي اطروحة السجود:

اما الانسان -والانسان الحديث بالتحديد- فالمصير-وان كان مشابها- الا ان الوسائل والاعذار اكثر تعقيدا بقليل:

انا خير منه: انا ابيض وهو اسود: انا خير منه: انا من عائلة كذا وهو من عائلة كذا: انا خير منه: انا مواطن اصيل وهو اجنبي دخيل (او هجين): انا خير منه: انا غني وهو فقير: انا خير منه: انا مؤمن وهو كافر: انا خير منه: انا رجل وهي امرأه: انا خير منه: انا وزير (او مشير) وهو غفير (او عاطل):

انه بدلا من ادراكه لحقيقة ان البشر كلهم مخلوقون من عنصر واحد ولاجل مهمه واحده هي التعلم والعمل والحريه والتحضر والبناء والتعاون والسعادة: ومجاهدة الشر المتمثل في الهدم والخوف والفراغ واليأس والتشويه والسلبيه والانتهازيه وعبادة اوثان الماضي (بحيث لا فضل لبشري علي اخر الا باجتهاده في المهمتين معا وبنفس القدر): بدلا من ذلك يفرض علي مجتمعه المزيد من مفاهيم التمييز والتعصب والرجعيه الفاشيه ايا كانت صبغتها –ناهيك عن المفاهيم المغلوطه- وفقا لما يعتقده من تفوق عقلي او جسماني او ثقافي او ديني حسب الحاله:

بكلمات اخري: "يتشيطن" الانسان حين يعجز عن ايجاد علاقه بين العقل والتاريخ: الروح والعنصر: الحريه والمسئوليه: الانتماء والموضوعيه:

كلما سقط في بحر غروره اسير غبائه وضيق افقه وتحيزه ليدرك ذاته ككل وليس جزء: رازحا تحت رحمة قضايا ثانويه للغايه وشكليه ومستنفذة الصلاحيه بحيث لم تكتسب قيمه الا بتقادم شهادته عليها (وليس لان لها قيمه حقيقيه) او لانها مرتبطه بالعالم المريض الذي بزغ منه والذي يحمله فوق رأسه بكل جراثيمه جاعلا منه منهاجا له ورفيقا لقدره (لمجرد انه الف تابوهاته ونواقصه ومفاهيمه المغلوطه):

وهكذا تكاد تكون قاعدة بالنسبة لي انه كلما اطلت حالة من حالات الشقاء الانساني كلما كان من المتعين علي ان ابحث فورا –واشير- وانا معصوب العينين الي انسان سادي متسلط

ولكن من هو السادي المتسلط؟

في البدايه لابد وان نتفق ان الانسان السادي المتسلط ليس بانسانا متميز ينشد العظمه: وانما هو -وفي افضل الاحوال- انسان عادى جدا -او أقل من العادي- سطا –بطريقه او باخري- علي مركز عظيم

انه شخصية "اللا منتمي"–حسب ويلسون- في اتم صورها ذلك الانسان الذي لا مبادئ له الذي يتحول –لسبب او لاخر- الي حاكم بما يجعله لا يكف عن الامساك بالعصا من المنتصف علي الدوام علي طريقة "توفيق الاضداد" او "الصلح خير" او "المساواه في الظلم عدل ومساواة الحاكم بالرعيه ظلم": ليسود

فهو يعتبر ان اولي خطوات صنع الولاء هي ان يكون هو نفسه فوق الانتماء وفوق المبادئ الفكريه والاخلاقيه فالمبادئ بالنسبة اليه شأن الرعيه "لعب عيال" والفخ الذي لا يجب علي العاقل ان يسقط فيه

لذا فالمتسلط السادي غالبا ما ينظر الي الصفات التي تصنع العظمه مثل الصدق والنبل والموضوعيه والتواضع والامانه (الاعتراف بالفضل ونسب الفضل لصاحبه) واتقان العمل الخ: باعتبارها اشياء لا علاقة لها بالفطره الانسانيه السويه فهي–في رأيه-قادمه من عوالم اخري غريبه مجهوله غير عالم الانسان لا تشبهه ولا تتوافق مع نوازعه الحقيقيه بل حشرت عليه حشرا وبالتالي فهي -ولانه لا يقوي علي تحمل نتائجها- لا تستحق منه الا كل تجاهل وانكار: او باعتبارها اشياء لا علاقة لها بما هو بصدده: وبالتالي ترف -لا يطعم جائع ولا يغطي عريان- ابتكره الانسان ليواري اهدافا مجهوله باخري معلنه لا تتجاوز في الغالب الغرائز الاساسيه مثل التغذي والتزاوج والتكاثر

وليس غريبا فهذا "الفكر" لا يمت الي المنطق بصله (ناهيك عن حريات او حقوق انسان): اذ يقوم هذا الفكر علي ان الضلال في التغيير والابداع وان الخير في الثبات والاستقرار وان العجز والميل الي الخطيئه هو شئ فطري تماما ومتأصل لدي الانسان يوجه ارادته بما يجعل من المستحيل ان يقوم الانسان -علي اساس من طبيعته وتربيته- بما هو صواب: وبذلك فالنموذج الامثل لادارة شئون الانسان هو نفسه اسلوب ادارة شئون الحيوان: الضغط والكبت والحرمان وحشد القطيع والترهيب بعقاب: وليس الاقناع.

وهكذا تصبح الحريه في هذه الحاله مجرد خيار من الممكن تفصيله او ترقيعه او الاستغناء عنه تماما اذا اقتضي الامر (والعوده الي الطغيان؟): طالما ان الانسان–وحسب هذا الفكر-لن يكون قادرا ابدا علي ان يتسامي احيانا علي منطقه الارضي (علي الرغم من اهميتة) في سبيل ادراكه لجوهر المحسوسات (اي ان يكون قادرا علي ان يميز الصحيح من الفاسد فيدرك الكل وهو مجرد من المحسوس كما قال القائل)

اي ان الانسان حسب هؤلاء لا يستطيع ان يصبح ابدا مواطنا فاضلا حرا تقدميا بدافع شخصي نابع منه لان شره الطبيعي –او حتي عقيدته- لا يساعده: او كما في المزمور: "صرت كالبهيم عندك ولكني دائما معك" فلم يعد له من قوة الاراده ان يختار بل مثله مثل الحمار يترك نفسه لمن يمتطيه: فاذا ما اوقعه حظه العاثر في طريق الشيطان فكان الشيطان هو صاحب شرف "الركوب" فذلك لانه لم يجد من بني الملائكه من لديه الدافع في فعل ذلك: او هكذا فهموا المزمور

بكلمات اخري: السادي المتسلط لا يؤمن بالعقل بقدر ايمانه بالقوه: ولا يؤمن بالمثاليات بقدر ايمانه بالماده: ولا يؤمن بمحبة الانسان بقدر ايمانه بالخوف: وبذلك فهو لا يؤمن بأي شئ الا اذا كان مرتبطا به وبشبكة مصالحه فاذا ما ارتبط الامر باناس "ليسوا هو" –او ليسوا من شيعته- فهو قبضة من تراب لا قيمة لها

وتتضح اكثر شخصية السادي المتسلط حين نتأمل مقولة لهتلر يشرح فيها الرغبة في السيطرة على أنها "نتيجة منطقية لصراع الأنسب والأقوى": انه يصبح في حاجه شبه دائمه إلى شخص يتحكم فيه حيث أن شعوره بالقوة يكمن في انه سيد إنسان ما: فمن رغبته في السيطره يستمد لذته وأمانه:

وسواء انتهج هذا السادي المتسلط ايدولوجيه وطنيه او دينيه فهو يعتبر نفسه –وايدولوجيته- دوما علي صواب فيما لا يكف غيره عن الخطأ وهو في ذلك ليس في حاجة الي برهان فقوته وقدرته علي السيطره هي البرهان: حتي في اسوء حالات عجزه وشيخوخته: اذ ان نزوعه الأعمى نحو القوه ونحو الانفراد بالرأي والسلطه ينمو داخله الي درجه مميته تتجاوزه هو شخصيا بحيث تشل قدرته علي الفعل والاحساس والتفكير والابتكار: وعند هذه النقطه قد يتسبب في ايذاء أقرب الناس إليه (إذا ما تأكد له انه–او انها- من الممكن أن يشكل تهديدا) اذ ينتشر سعاره ويصبح أكثر عدوانيه: اشبه بمقامر او مدمن المخدر يفعل كل ما من شأنه الحصول علي "جرعته" في السيطره وعندئذ يصبح تنازله عن منصبه ضربا من ضروب المستحيل: اذ لن يحدث ذلك إلا بفصام قسري بائن اقرب الي الموت: فكأي مرض نفسي او عقلي لا رجاء من علاجه الا بمعزل عن الأسباب التي قادت إلي مرضه

وهكذا يتحول الحاكم السادي المتسلط في نهاية الامر -خصوصا عندما تطول فترة حكمه- الي نموذج الفرعون المخبول ذلك الذي يهوي تمثيل دور الاله Play God ما من احد قادر علي نقده دع عنك مساءلته او حسابه

وهو لا يكذب عندما يتحدث عن حبه لوطنه اذ ان هناك دائما شعور ما جارف بالحب لا يستطيع أن يحيا بدونه: لكنه في نفس الوقت لا يستطيع أن يحيا بدون شخص يشعر انه الاداه العاجزة بين يديه ولموضوعات تخصه وبناءا على شروطه.

ولا فارق حينئذ بين زوجته او عسكري الخدمة الذي يحرس قصره ويتحمل سبابه أو حتى الشحاذ المسكين في الشارع الذي يضع في يده علما وصوره له ودعاية انتخابيه (واحيانا رشوه) ويحثه –او يجبره- علي تأييده: بمعني ان موضوع الحب هذا –في نظره- كموضوع المبادئ والافكار- هو شئ نسبي تماما ومتوقف عما يمكن ان يعنيه هذا الحب واذا ما كان مصحوبا بولاء

فهو يهيمن ليحب ويحب ليهيمن وهو يرشد من يحبه الي الأشياء التي ترضيه وتضمن استمرار هذا الحب (والهيمنة) مثل المديح الدائم او التظاهر بالغباء أو بالحذاقه والذكاء او تمجيد التوافه من الافكار والاعمال واعتبار هزائمه نكسات او انتصارات: وهكذا حتي تصبح معادله الحب والهيمنه تلك لا شعورية تماما لدي العامه البسطاء إلى درجة انه لم يعد يطلبها بل يكتسبها كما لو كانت من قبيل المسلمات:

وهكذا وككل حب مفروض من طرف واحد لا يطفو زيفه إلا عندما يواجه خطر الفصام (وانا ممن يرون انه من الخطأ الجسيم ان نحاول اقحام التسامح علي الحقائق فنمتنع عن ذكر اساءة المسيئ ذلك لان ما من عمل يخرج الي حيز الوجود الا متي وجد الانسان القدره علي الحكم علي الاشياء حكما جامعا شاملا: كما ان الذي لا يذكر سوءا لاحد لا يحق له ان يذكر خيرا في نفس الوقت فالحقيقه هي كلا الامرين معا السئ والحسن: والتأدب في دنيا الحق كائن دخيل غريب بل وعنصر بالغ الضرر في معظم الاحيان لانه يفرض علينا ان نصف الاعمال الرديئه او التافهه او السطحيه او الفرعيه بعكس حقيقتها وهو ما يؤدي الي الاحباط المباشر للهدف من احراز كل ما هو جيد ونبيل)         

والسادي المتسلط غالبا ما يعيش في عالم ظاهره رصانه وبراءه وباطنه سلسله لا نهاية لها من المكائد المدبره والدسائس الرخيصه والعواطف المصطنعة المقحمه التي يضعها جنبا إلى جنب بحيث ينظر فيها ولا يرى إلا نفسه. ولا يجب ان تخدعنا صورة الراشد الرزين او العطوف التي يحاول الظهور بها فهو في داخله صبي طائش اخرق اجوف بحجم رجل يعاني خواء نفسي وفكري ومعرفي رهيب وعلي نحو متضاعف: واكثر من ذلك: يتوقع من الجميع ان يصبحوا مثله ولو علي حساب كل ما خبروه وعرفوه وفهموه: ولذلك فهو خطر

والسادي المتسلط غالبا ما يكون لديه قدرات اتصاليه او خطابيه فذة (او يكتسبها لاحقا من أناس حوله أكثر قدره منه وهؤلاء يصبحون بحق أصدق أصدقائه). وهو يستخدم هذه القدرات لغسيل العقول وحصرها في ايدولوجيا بعينها الي جوار ما تحمله خطبه –عادة- من تهديدات مبطنه وتهما مفبركه يمكن تفسيرها علي اكثر من وجه ووعود وايحاءات بتامر الناس علي البلاد او لإيهام الناس بقدرات لا يمتلكها وبطولات لم يحققها.

وليس من المستغرب اذن ان يتملص فيما بعد من وعوده ومسئولياته ويلقي بها -في اول فرصه- في عرض الطريق فهو الي جوار انه يكره الالتزام بوعود ومسئوليات يظن انه اكبر من الوعود والمسئوليات:

انه يدرك جيدا حجم التضحيات التي بذلها–او لم يبذلها- حتي حصل علي كرسي السلطه وان هذا الكرسي هو ما يجعل لحياته معني وقيمه ويعصمه–في نفس الوقت-من المسئوليه والمحاسبه: ولذلك فاللعبة بالنسبة اليه ليست لعبة مناظرات او تحالفات او مبادئ ومعارك فكريه (هو في غني عنها وقد تنتهي بان يختار الناس من هو اكفأ منه) او ان يبدع برامج وسياسات ليحل مشكلات او ان يكشف عن حقائق او يصحح مفاهيم او ان يحاول تحقيق احلام الناس (ويحلم معهم): وانما هي لعبة نفوذ وشهره واكاذيب ومصالح ودفاع عن قوته وقوت عياله

او بعباره اخري: المنصب بالنسبة اليه ليس من اجل ان يخاطر به وانما لكي يحتفظ به:

وربما هذا هو السبب في ان السادي المتسلط لا يسمح الا باقل قدر من التسامح: وينتهج دوما الاسلوب البوليسي المخابراتى دع عنك طبعا السيطره علي مصادر الرزق والقوه (وما الي ذلك من وسائل توريط لمن حوله في الفساد) فحتي يحقق اهدافه (الهيمنه والولاء) فهو يستغل نقاط ضعف من حوله اقصي استغلال ممكن: ولا يخفي ان سلاحه في ذلك هو اثارة الخوف من ضياع الرزق او من عدو خارجي (لا وجود له غالبا):
فهو قادر علي ان يجرد الناس من كل شئ وفي طرفة عين (ليكونوا عبرة لغيرهم؟): فهو المانح وله الحق إذن في استعادة ما منحه على نحو كامل وبأثر رجعي

فاذا ما قدر لاي معارض مستقل -بعد كفاح مرير- ان يفسح لنفسه مكانا او يكتسب شعبيه- سواء في ظروف طبيعيه –او بفعل ثوري- كيما يخدم وطنه في موقع الرئاسه: سرعان ما يصطدم بحاله هيستيريه من الهجوم والاستهجان والاتهام والاستخفاف به لمجرد انه تحدي "الزعيم": بحيث يكاد البعض يجرونه جرا ويفتكون به وهم معتقدين تمام الاعتقاد انهم انما عثروا فيه علي عدو او محرض: فالزعيم -او الامام- غير قابل للاستبدال: وكلامه غير قابل للمناقشه: اذ لن يتمكن احد ابدا–مهما فعل-وكما شرحت-من ملء الفراغ المريع الذي سيخلفه في حال رحيله (متناسين ان "الزعيم" او "الامام" الملهم نفسه لم يصبح ملهما الا بناءا علي فراغ وبعد حالة استبدال غير شرعي لزعيم باخر سواء بالوراثه او بانقلاب او بالنيابه او بالتزوير: وانه ما من فارق حقيقي بين الظلم الذي يتم في عهده او عهد سابقه او في فترات التحول والفراغ)

والحق اننا اذا ما حاولنا ان نفهم الطبيعه السيكولوجيه لطريقة تفكير الطغاه والانسان صنيعة الطغيان ربما نعجز ولوجدنا انفسنا ولاول وهله امام حاله جديره بالدهشه والتأمل:

فالحاكم السادي المستبد يقضي جل حياته في محاولات متتاليه لتبرير بقائه في السلطه علي انه جزءا من مصلحه عامه او انه الصالح العام نفسه (بعد ان تحول العام الي خاص طبعا): فهو يظن انه مستحق لان تمتد حياته في الاجيال التاليه: لقد اصبح الموضوع شخصي جدا بالنسبة اليه فبدون احتفاظه بقوته يصبح مفرطا في حق نفسه او بعباره اخري: يصبح فاشلا امام كل من اقنعهم بقدراته الخارقه

وطبيعي والحال كذلك ان يسد كل السبل أمام ظهور منافسه او معارضه او ان يصف اي محاوله لاسقاطه–و اسقاط نظامه- علي انها مؤامره او فتنه او تفتيت وتقسيم للوطن تمهيدا لتدخل خارجي او حرب اهليه لابد فيها من منتصر (فيما نجد ان نظامه تغذي–ونما- اساسا علي اغراق البلاد في هواجس فتن طائفيه وعرقيه بين ابناء الشعب الواحد او محاولات التخويف من ظهورها في حالة اذا ما اختفي باعتبار ان وجوده لا غني عنه والا –ولنتأمل التعبير-المت بالبلاد–وبالمنطقه كلها- نائبه وهكذا يصبح البقاء في منصبه متساويا مع بقاء العالم كله: فمن ارادة البقاء يستمد ارادة الحياه (ارادة البقره الحلوب؟) ومن السيطره يستمد قوته):

وطبيعي ايضا ان يبحث–علي طول العالم وعرضه- عن قرين له فيه نفس صفاته يقع اختياره عليه ليخلفه: وقد تكون المواصفات المثاليه في هذه الحاله انسان يكون بمثابة التابع المخلص الامين والخادم المطيع وسندا وكاتما لاسراره والضد–في نفس الوقت-وعلي طول الخط- لكل من عداه بحيث لو قدر له ان يمتد عمره قرونا طويله فانه سيظل ابدا لدي الاجيال المتتابعه في نفس المكانه الرفيعه

ولكم يكون من الشائع والحال كذلك ان يكرس الحاكم السادي المستبد كامل جهده لتحويل المنصب الرئاسي الي مجرد وظيفه او عمل اداري بحت بالمعني الحرفي للكلمه وبكل ما يحمله من عبق الروتين والبيروقراطيه: بحيث لا يكاد يكون المرء قادرا علي التفرقه بين الرئاسه كعمل معاشي يتقاضي عنه اجرا نظير ما يقوم –او ما لا يقوم- به من واجبات (حسب المفهوم الوظيفي للكلمة): وبين الرئاسه كواجب وطني واخلاقي يتطلب علم ودرايه وجداره ومهارة اتصال وصبر وسعة افق ومبادئ فكريه سياسيه واقتصاديه واجتماعيه ذات رؤيه استراتيجيه تتجاوز حدود الايدولوجيات والمطامع الفرديه وتضع في اعتبارها اولويات المجتمع: وبين الملكيه الخاصه التي لا يصح ان تذهب الا لمن يختاره الرئيس او من هو قادر علي دفع الثمن: فبدون هذه التفرقه تتحول الرئاسه (ايا كانت الشعارات المرفوعه) الي  مجرد وظيفه ميري او ارث شخصي ينتقل الي شخص بعينه

بمعني انه يكرس –بوجه عام- وعلي مستوي الشعب كله- الي سيكولوجية الموظف البسيط الذي اقصي ما يحلم به هو ان يحصل علي علاوه او مكافأة او تكريم او تحسين اجر او درجه والذي يري الفشل المطلق في غيره مثلا ممن يفضلون الاعمال الخاصه او الحره او من لم يسعفه حظه فيجد وظيفه تلائمه او لا تلائمه (مع احترامي طبعا لفئة الموظفين: خصوصا اولئك الذين لا يستبعدون التقاعد او الاستقاله من حساباتهم ومن يرفضون "العمولات"):

بحيث انه اذا ما قادت احدهم المقادير الي قصر الرئاسه مثلا سواء بمحض ارادته او بواعز من زوجته او لاداء مهمه تخص عمله او بغرض تلبيه دعوه تصادف ان تشابه اسمه -او شكله- فيها مع احد المشاهير او قاد مظاهرة تأييد داخل مجلس الشعب او خارجه او ظهر في احد برامج التوك-شو يمدح الزعيم او لمجرد انه ضل الطريق: وحدثت المعجزه -وتهيأ له الشرف العظيم- واصبح- بين ليلة وضحاها- من المقربين يكون ممثلا مناسبا لذلك التابع المخلص الامين والخادم المطيع

وهكذا ليس غريبا ان نجد انفسنا امام احدي شخصيات نجيب الريحاني الهزليه والتي غالبا ما تنسب التفوق والقيمة الي الصالح والطالح معا حسب المصلحه او حسب نفوذ وثروة الانسان فيما تنسب الشقاء لرب العباد!
او ذلك الذي يسأل–اول ما يسأل-حتي قبل ان يستبدل "اليونيفورم" الميري-كيف هو راتبه: وكم هي الحوافز: وفي اي درجه من درجات الميري: واذا ما كانت هذه الدرجه اعلي او ادني من الدرجه التي طالما حلم بها (فليس من المقبول ان يخدعه احد والا اصبحت مؤهلاته محل شك):

وانسان هذا شأنه لا يعتبر ان من مقتضيات واجبه خدمة الناس (كما يردد هو نفسه مرارا وتكرارا في خلواته): فهناك دائما من هو اقل منه في المرتبه من يستطيع –وعلي استعداد- ان بفعل ذلك نيابة عنه: بل العكس هو الصحيح اذ اصبح من الواجب علي الجميع التسابق في خدمته ومنحه قدر اكبر من الشهره والثراء بلا راحه وبلا انقطاع وحسب ما تقتضيه الحوادث

فهو قد بلغ قمة الهرم الوظيفي ومن ثم يحق له التكريم: وليس غريبا ان تتحول السياسه–وفقا لهذا النوع من التفكير- الي لعبة كراسي موسيقيه او "مسرحيه" هزليه من مسرحيات النجم الواحد الرائجه هذه الايام او ان تختلط السياسه بالاقتصاد بالجريمه (خصوصا اذا ما نجح الطاغيه في تحييد تام للقضاء وافساده) وبالتالي مجموعه لا نهاية لها من "الصفقات" ودون تقديم الحد الادني من الخدمات

وليس غريبا الا يكون هناك من فارق بين الوطن وأسرة الزعيم فالوطن هو اسرته واسرته هي وطنه او صار هو الدولة كما كان الامر في اوروبا القرن الثامن عشر: او ذلك الانسان الذي تهيأ له نفسه انه وحتي يكون قادر علي ان يتصرف كرجل دوله ان يتصرف كرب اسره وليس مجرد رب اسره عادي وانما "سي السيد" ذلك الذي لا يتردد لحظه في قتل العقول والابدان او احد الامرين (وهو في الحالتين–في رأيي- وجهان لعمله واحده: اذ ما هو الفارق بين قاتل ابدان بامتياز وقاتل عقول وارواح بامتياز او وسط ما بين الاثنين؟ )

لكن ويا لها من مفارقه: الحاكم السادي المتسلط غالبا ما يبحث عن شخص اخر مثله أقوى منه–واكثر ساديه- يستحق خدمته ليدين له بالولاء: حتي اذا ما اصبح الشخص الاخر ضعيفا او فقيرا او ظهر من هو اقوي منه فانه يغير ولاءه فورا وبسرعة البرق وبدون تفكير إلى الشخص الاقوي: وهو على استعداد لأن يفعل ذلك كل يوم إذا اقتضى الأمر. ولا يشعر بغضاضة فالمسأله في رأيه ليس لها علاقه بمبادئ فكريه او مشاعر انسانيه او قيم اخلاقيه وروحانيه (او أية صفة شيطانيه) بل هي نتيجة واقعيه يشعر بان علي الجميع أن يفهموا ابعادها ومن ثم يحذو حذوه:

انه -في قرارة نفسه –وكما شرحت- لا يؤمن بان ما يفعله له علاقه بالخير او الشر: الخطأ او الصواب: او ان عليه الاختيار بين نقيضين من اي نوع: فهو الخيار الملائم الوحيد دائما وابدا: وهو اللحن الرئيسي في مقابل صوت الجوقه وعقرب الساعات في مقابل عقرب الثواني (ربما لانه لا يؤمن اصلا بالخطأ والصواب؟)

حتي اذا ما دنت ساعة الحساب فان اول –واصعب- ما يمكن ان يسأل به نفسه هو: كيف حدث هذا؟ لقد فعل المستحيل من اجل الا يأتي هذا اليوم: وقد لا يتردد في هذه الحاله بالتضحيه بشعبه كله فهو لم يعرف قط قيمة الحياه وقيمة الانسان حتي يخشي عليهم من الموت!

ومشكلة الانسان المتسلط -في رأيي- انه لا يملك حس بالتاريخ اذ غالبا ما يتصور التاريخ كائن خرافي أهوج يتحرك بعشوائية وطيش من اجل هدف مطلق هو عدم لا نهائي: فهو يفعل ما يريد في الوقت الذي يريد متلذذا بإخضاع الجميع لارادته وارادته فحسب. وارادته هذه هي قصه طويله مؤلمه من الاسي والاحزان بل والرعب: وبذلك فالتاريخ ما هو الا سجل لضروب المتعه او بما هو متاح من عذاب وصراع وخداع وبشاعه وحطة ومذابح جماعيه مفزعه

وبذلك فاكثر الناس قدرة على فهم –وصنع- التاريخ -في رأيه- ليس الاكثر تعقلا او الاكثر عذوبه بل هم الأكثر وحشيه وتعاليا: والأكثر حقارة ونذالة واستهتارا في نفس الوقت: وهؤلاء–في رأيه-خارج إطار محاسبة التاريخ لأنهم ببساطه مثله ويفعلون ما يفعل

وهكذا غالبا ما يظن الحاكم السادي المتسلط ان التاريخ ما هو الا تكرارا لاحداث متشابهه (تماما كما هي قطع الدومينو او الزجاج الملون الذي يظهر في منظار الطيف بتشكيلاته المتباينه) بادعاء سخيف ساذج مثير للضحك ان التاريخ انما يكرر نفسه –اذا ما تكرر- تيمنا بحوادث وشخصيات بعينها تنال جانب من اعجاب عدد كبير من الناس ولذا وجب تكرار ما فعلته تلك الشخصيات بحذافيرها حتي يكون في الجانب الصواب: وهو مخطئ طبعا:

فالتاريخ لا يدعو الناس الي تكرار اخطائهم بل الارجح انه يمنحهم فرصة اخري نادره ليتجنبوا الوقوع في الخطأ وفعل ما هو صواب

كما ان الانسان لا يصنعه التاريخ فحسب فالتاريخ يصنعه ايضا الانسان

ويوم يصبح في وسع الانسان الاطلاع علي التاريخ اطلاعا كاملا وفهم مضمونه فهما موضوعيا وافيا فانه سيتعرف –حتما- علي نفسه ويكتشف جوهر وجوده كانه امام مراه: وكيف ان هذا الجوهر فذ وحتمي وله علاقه بفلسفة كامله لها مغزي ومعني ومسار ولها منطق يضبطها هو منطق الحياه (او كما ذهب "هيجل": "المنطق العظيم " الذي يتحكم في الكون بحيث يجعل من عالم الانسان ليس سوي جزء بالغ الصغر في اله عظيمه لا يعلم الانسان منها الا ما هو علي مقاسه ولكنه رغم ذلك كافيا لان يدرك انه حتي وان كان هناك الم وخبث وصراعات وفناء في هذا العالم الا ان تاريخ الطبيعه –والكون- اجمالا- انما يتوجه نحو تطهر كامل من اثار الخبث الذي يتركه الانسان خلفه علي كوكب الارض: اي نحو خير نهائي)

اما بالنسبه للانسان الذي يصنعه "الزعيم" او "الامام": ذلك الانسان الموظف الذي تحدثت عنه منذ قليل: فهو انسان قدر له ان تكون خطواته اسرع من عقله وبصيرته اضعف–واقصر- من مدي رؤيته واحلامه لا تتجاوز كرشه! اذ اصبحت كل احلامه منصبه علي فعل كل ما يمكن فعله من اجل تسلق هرم -او جبل- حاجاته الذاتيه ظنا منه ان هذا يعينه ويعين المجتمع علي تحقيق اهداف عامه ساميه ومع ذلك لا يرتقيه الا كما يرتقي طابور النمل قدر العسل بحيث تتدافع كل نمله في حومة صعودها المحموم للحصول علي نصيبها من الغذاء ممتطيه ظهر اختها باعتقاد منها انها ستكون بتجاوز اختها الضعيفه المحرومه (او ربما سحقها) اكثر قدره علي خدمة الخليه والي اقصي حد

انه ذلك المجتمع الطبقي نفسه المتمثل في عسكر وعمال وذكر خليع كل مهمته التزاوج والتكاثر وملكه تنتظر بكبرياء في مكان ما بعيد لا رابط بينها وبين ما يدور حولها من تطاحن وصراع: ولا يغرنك ان ما يجري في عالم النمل له قيمه جماليه فليس من شيم النمل احراز فضيله او انماء حقوق وحريات وخصوصيه انما هو نوع من التعاون المتوحش القائم علي سخره ووصوليه وانتهازيه: بعباره اخري: القيمه الوحيده للتعاون في عرف النمل تتمثل في تحقيق الهدف: والهدف هو الوصول الي الطعام وجمعه باقصر السبل وفي اسرع وقت: انه الاسلوب الامثل للحياه في نظر النمل: تغذي بقدر ما تستطيع -ومالا تستطيع- قبل ان يتغذي غيرك عليه! وبذلك فما نراه من جثامين نمل طافيه علي سطح العسل انما هو نمل غرق بعد ان وصل الي القمة اذ لم يجد من مغزي اخر هناك -في حومة نهمه- سوي الموت

فاذا ما طبقنا ذلك علي البشر فان اقرب مثال لهذا المجتمع-بلا شك- هو مجتمع السجون!

ولنتصور المشهد المدهش: قلعه ضخمه من الزجاج علي جزيره شبه منعزله (وان كانت عزلتها تلك معنويه اكثر منها ماديه) تحتوي علي زنزانات مفتوحة الابواب ومع ذلك لا يمكن للغالبيه العظمي من المساجين مغادرتها لان العالم الخارجي –من جانب- بالكاد يقبل ايدي عامله غير مدربه وغير متعلمه تعليم جيد (اذ ان عنده من المشاكل الاقتصاديه والاجتماعيه والسياسيه ما يكفيه): ولا السجان –من جانب اخر- يفتقد –بجوار الصدق- الي الضمير فهو لا يكف عن اخفاء اخطائه وانكار جرائمه والقاء مسئولية كل تصرف طائش يقوم به علي اكتاف السجناء فيفرض عليهم عقابا جماعيا الواحد تلو الاخر: وفي نفس الوقت يفعل كل ما هو مستطاع ليقنعهم بان كل ما يحدث بالخارج شر مطلق وان الاعداء يتربصون بهم في كل مكان (بما في ذلك البلدان التي تقود الحضارة والحريه فحتي هؤلاء يريدون اغواءهم باسم العلم والحريه) وبذلك فان عليهم حتي يهنأوا ان يسلموه–واعوانه- عقولهم وذاكرتهم فيقبلون كل ما يقدمه لهم –ايا كان حجمه- مغلقي الافواه (مع ملاحظة ان مكتب ادارة السجن هو المكان الوحيد المغلق دائما والمبني بالطوب):

لا لأنهم لا يعرفون معني–او قيمة- الحريه ولكن لانهم صاروا –في رأي السجان وثلة المهزومين الرجعيين اليائسين - عاجزين عجزا مزمنا عن التخلص من سيكلوجية السجين (الخوف من الحريه؟) تماما كما ان السجان صار بدوره عاجزا عن التخلص من سيكولوجية السجان (والحرامي؟): وهم في ذلك –في رأيه- ليسوا نملا فحسب وانما كالجراء الصغيره ايضا اذا ما تحرك شئ نبحوا واذا ما ظل الجو ساكنا عادوا الي زنزاناتهم مجرد ظل علي حائط!

حتي اذا ما اتيحت لهم –لسبب او لاخر- فرصة التحرر من السجن والثوره علي السجان ووجدوا انفسهم لدي اعتاب باب السجن –مرة اخري- مع طائفة الرجعيين بانواعهم يسألونهم: ما الذي يدعوك الي المغادرة ؟ وهل ستضمن لك الحرية نفس حصتك (المجانيه) من الزاد وبنفس الجوده ؟ وهل ستكون قادرا علي الحفاظ عي تراثك وهويتك وعقيدتك ؟ (متناسين انهم اكتسبوا كل ذلك في واقع الامر في محبسهم وبالتالي فان غالبية ما اكتسبوه انما هو بالضروره نتاج سيكلوجية الاستبداد والفساد والخوف والعبوديه والجهل والانتهازيه والانغلاق والانعزاليه–اخلاق السجون-ولذا فهو محل نظر)

وهكذا يكون من الصعوبه بمكان ان يسأل الانسان نفسه في هذه اللحظه اسئله بسيطه للغايه وخطيره في نفس الوقت مثل: من انا؟ وماذا كانت تهمتي؟ وماذا اريد لنفسي ولابنائي ؟

ان الانسان مدمن سيكلوجية السجين قد يفقد –الي جوار عقله وذاكرته وضميره- كل دافع حي يدفعه الي التقدم والخروج من سجنه: فهو اينما ذهب صار سجنا متنقلا لنفسه: وبذلك فحريته في هذه الحاله –في واقع الامر- لا قيمة لها ولا تعني شيئا ولن تغيره من تلقاء نفسها بل وازعم انها لن تؤدي الي ديموقراطيه طالما ان هذه الحريه لم تسهم بدور في تقدمه -وتقدم ذهنيته- الي الامام: بل والاسوء قد يعود به هذا النوع من الحريه الي الخلف فتستبدل حارس باخر او سجان باخر او ايدولوجيا رجعيه باخري مثلها او اشد منها فيجد الانسان نفسه مثلا بدلا من 50 او 70 او حتي 100عام الي الوراء اذا به وقد ولج لتوه عصر مسيلمه الكذاب حين كان المسلمون الاوائل لا يزالون يجاهدون للخروج من ظلمات العصور القديمه (ايا كانت الصبغه التي تغلف الية العوده: وطنيه او دينيه):

انها الازدواجية نفسها التي تكتفي بمنح –او الحصول علي- جزءا فقط من كل شئ: جزء من الحريه: جزء من الكرامه: جزء من اهداف الثوره: جزء من العدل: جزء من المساواه: جزء من السعاده: جزءا من العلم: جزء من الديموقراطيه اذ ان كل ما يحركها هو بناء حدود وسدود واسوار لكي يحتفظ الانسان دوما بمنطق النمل: منطق الساده والعبيد: او منطق عبادة القديم (باعتبار ان كل قديم اصيل وان كل قديم مفيد):

وهي دائره لن يخرج منها هذا الانسان ابدا -في رأيي- خصوصا اذا ما ظل يلازمه اعتقاد واحساس زائف بالعجز والخوف او اذا ما ظن ان الديموقراطيه مقتصره علي الانتخابات (ناهيك عن طريقة الانتخاب نفسها والتي تعتبر مثلا ان انتخاب العلمانيين او غير المسلمين من شأنه "اغضاب الله" او نفاق او كفر او منح "الولايه" –وحسب هذا الفكر-لمن لا يستحقها) واولئك لن يسمحوا بتغيير الا جزئيا او لن يسمحوا به مطلقا

انها ازدواجيه جبانه لا تثق في الحريه ولا تؤمن بخوض التجارب والمخاطر والمعارك الفكريه ولا تثق في اجيال جديده قادره علي تنمية وعيها واحلامها وقدراتها بطريقتها وحسب مقاييس عصرها وعلي رأس ذلك لا تثق في قدرة الناس علي التمييز بين الخطأ والصواب:

بل وليست قادره-في نفس الوقت–وهذا يوضح قدر التناقض- علي ان تكتم حقدها وعدائها الدفين لتجارب الديموقراطيه الاصيله القائمه علي العلم والفكر والحريه غير المهجنه بالفتاوي والتطرف والتعصب. بمعني ان هذه الازدواجية لا تثق حتي في نوع التربيه والتعليم الذي تقدمه: واستطيع ان اذهب لما هو ابعد فاقول ان ثقة هذه الازدواجيه في قدرة التاريخ علي حكم عالم الانسان ومعالجة مشاكله بنفسه–وهو قادر- غالبا ما تكون موضع شك (طالما انها تنتظر دائما مصيبه حتي تجبرها علي التحرك في الاتجاه السليم)

بما يعني ان الدوافع التي تجعلها نصف-حره او نصف-كريمه او نصف-عادله ليست دوافع اصيله نابعه من ادراكها لمشكلة الحريه نفسها وقيمتها وانما دوافع مصطنعه وعارضه غالبا ما يكون الباعث الاصلي من ورائها مصالح طارئه بحيث يظهر زيف هذا الايمان حين لا يتطابق مع هذه المصالح او حين تصبح الافكار التقليديه الجاهزه اقدر علي امداد الانسان باهلية صنع القرار وراحة البال او حين لا يكون قادرا علي تبرير الانكسارات والرجعيه بصفتها انتصارات

وازعم ان هذه هي معضله المجتمعات التي تتحرر لتوها من الاستبداد والفساد وعلي رأسها مجتمعات الشرق الاوسط: ولا اعلم كم من المرات تذكرت وانا اتأمل ما يحدث اليوم من ثورات مرحلة استعادة الملكيه في فرنسا (ارستقراطية القرن التاسع عشر) تلك التي ظهرت بعد سقوط نابليون الامبراطور (وليس نابليون الثائر) اي بعد ان فقدت الارستقراطيه الاصليه -ارستقراطية القرن الثامن عشر فما قبله- امتيازاتها علي مدي ربع قرن من عمر الثوره الفرنسيه: فانتجت ارستقراطيه مفتعله من العسكر السابقين من "محدثي النعمه" (الذين كانوا يوما –كنابليون- ومحمد علي-من الطبقات الدنيا المضطهده)

وهي مرحله لم تخرج في مجملها عن قصص لاناس من عوالم مجهوله بعيدة الشبه بعوالم الناس البسطاء –رغم ان ابطالها كلهم كانوا يوما منهم- فهم يعيشون داخل قصور مترفه منعزله عن المجتمع بحيث لا يجمع بينهم سوي عواطف مصطنعه يغلب عليها طابع التكلف والركود والغرور والسطحيه والجشع المادي والانحلال الخلقي ومع ذلك ولانهم لم يكونوا قادرين علي مواجهة نظرات الخدم (ممن كانوا لا يختلفون عنهم كثيرا من ناحية الثقافيه) واستفساراتهم المكتومه عن مصدر ثرواتهم وحقيقة جرائمهم التي ارتكبوها لاكتساب هذه الثروات والحفاظ عليها: كانوا يدفعون مبلغا من المال لكل خادم -سرا- كيلا يحتزوا رقابهم اذا ما واجهوا ما واجهه لويس السادس عشر وزوجته عام 1793! (طالما ان عودة هؤلاء الشبان من الطبقات الادني ممن كانوا يتمتعون بثقافه عاليه -مثل روبسبيير ودانتون او حتي نابليون–مازالت ممكنه)

بحيث لا يختلف الحال –برأيي- في مجتمعاتنا الا بمقدار ما قضيناه منذ عصر محمد علي والي اليوم بلا حريه: أي ما يتجاوز قرنين من الزمان: بمعني اننا امام قضية استبداد وفساد مفزعه وبمعايير تاريخيه: لقد تعرضت تلك المجتمعات لظلم مروع –مصحوبا بعنف وقتل وخسه ووحشيه بما لا يقاس- بحيث امتد هذا الظلم وتواصل الي حد انه امات لدي البعض مشاعر الظلم نفسه واخرس الالسنه فاعتاد جانب من الرأي العام علي الا يقف في وجه الظلم ويطالب بالحقوق: حيث يقضي الانسان حياته كلها متصورا انه لا يملك امكانات كافيه تؤهله لتغيير شامل كامل باعتبار ان العدل –ومرة اخري- وان كان ملتصقا باستبداد وقسوه وانتهازيه وجهل وانتهاك حقوق انسان اهم من حريه وكرامه وعلم ومساواه وبذلك فقد اصبح علي هؤلاء ان يختاروا دوما ما بين مزيدا من العدل المستبد او قليل من الديموقراطيه

وفي هذه الحاله يمكنني ان افهم ان القيمه الوحيده من الانتخابات الحاليه هو الهاء الشعب وتوجيه انتباهه وطاقاته باتجاه "بشائر" ديموقراطيه (لمجرد ان الانتخابات ليست مزوره هذه المره مثلا وكأن مشكلتنا كانت في تزوير الانتخابات فحسب) او قضايا لا علاقة لها بما نحن بصدده من تغيير من قريب او بعيد لا لشئ الا لان الانسان لا يمتلك شجاعة المكاشفه باخطائه او حاسة التدخل المبكر- لوضع خطط وحلول–لمشاكله او الاستعانه بخبرات اخرين لوضع خطط وحلول وبشئ من التواضع والموضوعيه والمسئوليه- ودون ان يكون هم الانسان الاول اكتساب شعبيه (هي شعبيه رخيصه في رأيي ومفضوحه وتكاد تكون دوافعها غير اخلاقيه اشبه بممثل سئ دخل مجال التمثيل بالواسطه -او بالصدفه- واظهر ثقل ظل عرفه القاصي والداني ومع ذلك مازال متشبثا بالتمثيل والتمثيليه: والحق ان الشعبيه لا تجئ الا عن طريق عمليه بطيئه غايه في التعقيد: اذ لا يكفي ان يكون الانسان مشهورا ليحصل علي شعبيه: خصوصا اذا ما تم ذلك في بيئه يكثر فيها اولئك الذين يتلقون الاوامر بشكل واسع: اذ نجد في بيئه كهذه الشخص متوسط الذكاء مثلا يظل طوال حياته يحاول ارغام شخص اخر اكثر تميزا–خطوه اثر خطوه- كما لو كنا بصدد عملية ترويض- علي تقديم الولاء له- فيما يقف فوق رأس هذا الشخص نفسه ليخبره ماذا يفعل ودون ان يعترف له بفضل وهكذا تستمر العمليه حتي ينتاب الجموع احساس ما عارم ناجم عن شبه اتفاق بالقرف: وذلك هو بالضبط وضع كل شعبيه غير اصيله لا يستحقها من يحصل عليها: اذ سرعان ما يكتشف الناس الحقيقه –وهي ظاهرة لا محاله- فتقل شعبيته الانسان متوسط الذكاء وقد تتلاشي تماما في لحظة واحده فيصبح مكروها وتصبح شهرته نقمة عليه فالقانون الطبيعي هو ان الشخص الذكي يميل الي مصادقة من هو ذكيا مثله لذا نصيحتي دائما للانسان النابغ الذي تأخرت عليه  شعبيته وشهرته: لا تيأس: والي ان يتحقق لك ما تستحق فانه يجب عليك –حتي وان كنت قد اجتزت كل المراحل بنجاح- الا تفقد تركيزك ورشاقتك وثقتك في نفسك واحساسك بالتوقيت واكثر من ذلك الا تفقد ايمانك بمن تكون ومحبتك لمن تحبهم ويحبونك حتي تتضاءل العوائق وتحصل علي ما تصبو اليه: او تجد من تتوافر لديهم من الامانه ما يجعلهم يرجعون الفضل لصاحبه)

ولا اعتراض لي علي فكرة الانتخابات او موعدها وانما اعتراضي ان تجري الانتخابات علي طريقة "بختك يا بو بخيت" دون اعداد ديموقراطي جيد للمواطن العادي وباقل قدر من الثقافه والوعي السياسي (بل والديني) وي في ظل حالة غموض رؤيه وانتهازيه سياسيه (اذ مازال الدين يستخدم في السياسه علي مرأي ومسمع من الحكومه وعلي خلاف القانون بل ان بعض الاحزاب ذات الصبغه الدينيه لم يتعهدوا الي اليوم في برامجهم باحترام حقوق وحريات المرأه والاقليات وحقوق الانسان والاتفاقات الدوليه) وفي ظل غياب امني وحكومي شبه تام (وهذا في رأيي لا ينبئ بتعدديه سياسيه وانما تصادم ديني سيبقي دائما وابدا موجودا طالما ان الوعي السياسي والديني مازال غائبا)

فاذا ما ادخل المتابع الكريم كل هذا في اعتباره فانه سيدهش لا لتباطؤ الحكومه في بلوغ اهداف الدوله (ناهيك عن اهداف الثوره واهداف الحكومه) بل لان البعض ظن انها ستدرك تلك الاهداف اصلا: فما ان ينقلب السحر علي الساحر ويتبدل الهذر جدا وتزحف النيران ويمتد حريقها الي يد من اشعلها وتقوم قائمة ميدان التحرير اذا بنا نجد من يدعو الي فرض حل امني جديد او تشكيل حكومه جديده يصبح علي رأس مهامها–مرة اخري- الامن والاقتصاد والاستقرار فيما يصبح علي الشعب–في نفس الوقت- البحث عن "مثيري الشغب" المجرمين الذين حاولوا افساد "عرس" الديموقراطيه والعمليه الانتقاليه والاضطلاع بمسئولياته في –احم- "تربية الاولاد" (بأعتبار ان الثوره هي من افسدهم) ثم لا بأس بعد ذلك في الظهور بمظهر البطل المغوار الذي حمي البلاد–والثوره- والشرعيه- من الاشرار بالداخل والخارج

وهكذا في وضع كهذا ليس غريبا ان يجد الثوري والسياسي والمفكر-والانسان الذي لم ينجب اولادا- نفسه وقد حشر حشرا وسط حومه اعصاريه منعزله -او ثقب اسود- كل همها استدرار صمت "الشرفاء" والايحاء –وبعد كل مصيبه- بان الامور تجري حسب خريطة الطريق او انها في ايد امينه (باعتبار ان امينه اخت شريفه): وفي وجود حكومه "ناني" قليلة الحيله (و"ناني" في رأيي هو اكثر الالفاظ تأدبا) لم تجرؤ يوما-وطوال الاشهر الماضيه- علي محاولة اكتساب سلطات تمكنها من اداء مهامها او لفت نظر المجلس الي مسئولياته الامنيه والوفاء بها (تلك المسئوليات التي صارت-ومنذ بداية الثوره- ضمن جداول اللوغاريتمات): وهكذا كلما خطونا خطوه الي الامام اذا بنا نعود الي نقطة الصفر لنتحدث مرة اخري عن الامن والاقتصاد والاستقرار وكأن شيئا لم يكن

وانني –وايم الحق- لفي شك مريب من ان ارباب المعاشات قادرين علي صنع ديموقراطيه فالديموقراطيه لا يصنعها اناس نشأوا وقضوا عقودا طويله في خدمة الدكتاتور -وخدمة اسرته- دون ان تظهر علي اي منهم اعراض الثوره (او حتي مجرد نزلة برد) او من درجوا علي احتقار شعوبهم والبحث عن اقصر الطرق للنجاة من المحاسبه: والارجح ان البعض مازالوا يظنون ان الديموقراطيه هي الانتخابات وان الانتخابات حتي تكون حره فانه يجدر بها ان تكون بلا ثقافه وبلا وعي وبلا تنفيذ قانون ودون اعداد جيد للمواطن علي جميع المستويات معرفيا وفكريا وذوقيا وروحيا: حتي يستطيع المواطن ان يدرك الفارق بين الفكري والسياسي والوطني والديني –كما شرحت- وبالتالي الحكم علي من هو قادر او مؤهل من السياسيين علي الاضطلاع بالعمل السياسي اكثر من غيره ودون ان يضطر الي خوض جدل سوفاسطائي في كل مره بشأن المفاهيم
ولا ينبغي لنا ان نتعزي عن تلك الحاله المؤسفه من اعادة تدوير المفاهيم وتفصيلها علي مقاس اصحابها علي اساس انها ستستمر او علي اساس ان السواد الاعظم من الناس لا يكونون احكامهم وفقا لتفكيرهم الخاص وانما وفقا لاحكام من الثقاة ممن يظنون انهم اقدر علي الحكم منهم -وان لم يكن الامر كذلك- فالناس البسطاء غالبا ما يكون لديهم بعض التشكك الفطري ازاء ادراك ما في السياسه –ومصطلحات السياسيين- من تعقيد خاصة اذا ما تعمد حفنه من المضللين تبسيط المعقد وتعقيد البسيط او لصقوا ثقافه متطرفه ومعرفه محدوده–وما هو اندر نفعا –واقل صدقا من هذا وذاك-بالسياسه
او استمروا ولاخر قطره في دمائهم علي وصف العلمانيه والدوله المدنيه بالكفر والالحاد (وهو كفر طبعا بالنسبه لمن لا يعلم ولا يهتدي): او نادوا بنظام مختلط (كشري يعني) ما بين برلماني ورئاسي عن طريق توزيع المهام ما بين الرئيس ورئيس الوزراء متجاهلين ان هذا الكلام لا معني له مطلقا في دوله ديموقراطيه ذات تعدديه حزبيه اذ انه يفترض مسبقا الا ينفرد حزب واحد ابدا بالحكومه وبالتالي بتنفيذ برنامجه كاملا: بمعني اننا سنعيش -في ظل هذا النظام- حكومة وحده وطنيه علي الدوام في محاولات للتوفيق بين الرئيس ورئيس الوزراء!
او تمادوا في التغزل بالشعب او وصف الناخبين بانهم كل الشعب -او كل الناخبين- في كل مراحل العمليه الانتخابيه- متناسين–صدفة او عمدا-اننا مازلنا بعد في البداية وانه مازال امام الناخب المصري طريق طويل لكي يكتسب الوعي السياسي والثقافي كيما ينتخب وفقا لمبادئ وبرامج سياسيه بحته (كما لو اننا انتقلنا من مرحلة رياء السلطه الي مرحلة رياء الشعب) في حين انهم يستديرون –علي الجانب الاخر- وكلما سنحت الفرصه-ويالا المفارقه-الي ميدان التحرير مستهينين بمليوناته واعدادها واصفين الثوار والشهداء والمصابين كما لو كانوا لا يمثلون الشعب او لا يمثلون ما يسمي الاغلبيه الصامته (ولا احد يعلم من بالضبط من حقه التحدث نيابة عن اغلبيه صامته واذا كانوا صامتين فلماذا لا يتحدثون بل لماذا يجب ان يتحدث احد نيابة عنهم اصلا؟) ظنا منهم انهم قادرون علي خداع الناس –او نعديل مسار التاريخ- او ان الجهل والانتهازيه من الممكن ان تظل خافية دون ان تنكشف الي الابد وهم واهمين فما من جهل او انتهازيه الا وتكشف امرهما شأنهما في ذلك شأن كل شئ زائف وغير اصيل ولو بعد حين

ولابد وان اشرح هنا ان ما يحدد درجة رقي او تحضر اي شعب او حكومه هو حرص الناس علي تكريم الشهداء والمصابين والضعفاء والمحتاجين والعنايه بهم –ناهيك عن اولئك الابطال الذين ضحوا بحياتهم او اصيبوا اثناء الثوره- اذ ان هؤلاء هم شرف الوطن وكرامته ومن ليس قادرا علي ان يصون شرف وطنه وكرامته تصبح مناقشة مسألة صيانة الشرف بوجه عام معه موضع جدل

واري انه من المهم ان الفت النظر هنا الي ان التحيز الي الانسان المتميز وتكريمه وبناء نوع من الشراكة–والمصارحه- والثقه معه لا يتناقض مطلقا مع فضيلتي التواضع والمساواه: فمبدأ المساواه يضمن مساواه في الفرص والحقوق والحريات الاساسيه دون تحيز لعرق او جنس او نوع او ثقافه او دين او طبقه اجتماعيه (بمعني ان المساواه تشمل ايضا من يدير شئون البلاد): وبذلك فالمساواه لا تعني ابدا اضاعة مبدأي التميز والخصوصيه او تدمير روح النضال والمبادره واضطهاد اصحابها: فلا مساواه بين العلم والجهل او بين الذكاء والغباء او بين السلبي والايجابي او الخطأ والصواب او التقدم والرجعيه: كما انه ليس من العدل ان نساوي بين الثائر الذي يسعي الي تنمية ذوقه ووعيه والنهوض بمجتمعه وتحريكه الي الامام وبين المنساق لمغريات السلطة والمال والخمول ذلك الذي لا ينزعج من فكرة الخضوع لسلطه مهيمنه رادعه علي الدوام وان اضطرته الظروف الي ان يخلط بشكل شبه متعمد بين الاستقرار وبين الركود والسلبيه او اللامبالاه:

بما يعني ان حرمان المفكر الفرد الواعي الساعي للتفوق من حقه في التفوق والتكريم بناءا علي تفوقه (ثم تشجيع الجاهل علي جهله والكسول علي كسله والرجعي علي رجعيته والغبي علي غبائه والانتهازي علي انتهازيته) هو في حد ذاته حرمان للمجتمع من عقله وقلبه وضميره وتجريفا لقدراته (والا اصبح التعليم الاساسي مثلا –وحسب هذا الفكر- نوع من الترف بحيث يتساوي فيه الناجح والفاشل: المتعلم وغير المتعلم)

ولنتشه وصف طريف–علي لسان زرادشت- يصف فيه الانسان كما لو انه بهلوان سيرك يسير علي حبل مشدود بين برجين في مقابل حشود من الغوغاء من رواد السوق ممن يقفون علي الحياد مراقبين يلهثون تحت وطأة العديد من الاراء الدارجه واحكام الثقاة والتكهنات ينتظرون بلهفه عبور البهلوان الي الجانب الاخر ليصفقوا له اذا ما نجح (او يسخروا منه اذا ما فشل): ولكن وفي تلك الاثناء قد يحدث شئ فبينما هم واقفين–ومازال نتشه يتحدث- قد يطور احد المهرجين من اصحاب الدم –والعقل- الخفيف في نفسه شعورا ما بالمشاركه وهكذا قد لا يسلم الامر من قفزه مباغته ليستقر المهرج علي كتفي البهلوان المسكين جاثما علي انفاسه فيصبح البهلوان بذلك امام تحد جديد: اما ان يتوقف قليلا ليزيح عبئ الوافد الدخيل المتمثل في ذلك المهرج الحشري الذي قفز علي كاهليه (ثم يستجمع قواه تارة اخري ويكمل رحلته) او يكمل رحلته علي اية حال مجازفا باحتمال تاخره او تعثره لتزل قدمه ويسقط من عل

والحكمه هنا هي: كما ان قفزه عارضه سخيفه من مهرج جاهل مغرور قد تتسبب في تعطيل –او اسقاط- انسان متعلم متميز مجتهد يعرف طريقه ويدرك ما يجب عليه ان يفعله فان اطمئنان الانسان المبكر بعبور امن دون اسباب كافيه تدعوه لذلك قد يتسبب ايضا في سقوطه وهو بعد في منتصف الطريق: لذا لزم علي الانسان النابغ المتميز ان يكون مستعدا للتعامل مع كل الاحتمالات 

او كما قال " ميشناه" الحكيم: ان لم اكن نفسي: فمن اكون؟ وان كنت لنفسي فحسب: فماذا انا؟

واجد صعوبه بالغه في حصر عدد المرات التي اقترح فيها الثوار ونخبة السياسيين والمفكرين–طوال الاشهر الماضيه- حلولا استراتيجيه وسياسيه –ازعم انها كانت هامه للغايه- لادارة المرحله الانتقاليه او حتي مجرد تعديل المسار المريب المعوج الذي مضينا فيه دون ان يجدوا علي الجانب الاخر–للاسف الشديد- من يملك ملكة الاستماع او عزيمة التغيير او شجاعة الاعتراف بالاخطاء واصلاحها

كما اجد صعوبه في حصر عدد المرات التي قارن فيها البعض انفسهم باخرين من دكتاتوريات مجاوره تخوض –ومازالت تخوض- حروبا ضد شعوبها فيما تترنح في طريق سقوطها المحتوم علي طريقة فرعون: "اغرق ولكن لن اغرق وحيدا: وانما ساخذ جيشي معي" او "اسقط ولكن لن اسقط دون ضجه": دون ان تتحول انظارهم ولو مره باتجاه التجارب الديموقراطيه الاصيله او تلك التي تحولت حديثا الي الديموقراطيه (متناسين اننا قمنا بثوره وان ثورتنا –وكما هو مفترض-نجحت وان المطلوب هو تطوير هذا النجاح)
                          
ولذلك فالسؤال الاكثر الحاحا اليوم في نظري هو: هل مجلس "لم ولن ولع" (ذلك الذي يروقه دور"مجلس قيادة الثورة") سيكون باستطاعته التجانس مع دوره الاصلي في الحكومه والدوله حسب المقاييس الجديده والتي ستحتم عليه العوده ليصبح منخرطا –كغيره- في "وزاره" تتلقي –وتنفذ- التعليمات وتكرس جم جهدها لعملها– وعملها فقط - اذا كان سلوكه -وحتي وقت قريب- هو وضع نفسه علي طرفي نقيض مع ثوار التحرير كلما تطلب الامر تغيير جذري حقيقي؟ (مع ملاحظة ان اعضائه جميعا بلا استثناء قد تجاوزوا سن المعاش (وبالتالي ثقافه العصر): سواء تمكنوا من اخفاء ذلك او فشلوا: سواء مكثوا في مواقعهم او قدر لهم ما يقدره الله لسائر خلقه: واتمني ان يعيشوا الي الابد ليثبتوا عكس ما اري o-0)

لابد وان يكون في استطاعة ثوار التحرير (في القاهره والمحافظات) الذين حرضوا وبادروا وناضلوا وقادوا الشعب–والجيش-الي الثوره ان يقرروا اذا ما كانوا سعداء–او غير سعداء- بالاجنده الحاليه للتغيير او اذا ما كانت الاجنده تتناسب–او لا تتناسب-مع طموحاتهم السياسيه والاجتماعيه والاقتصاديه وطموحات شهدائنا (ناهيك عن اجيال المستقبل)

لابد وان يكون في استطاعتهم ان يشعروا انهم اتخذوا القرار السليم حين فضلوا مصلحة البلاد علي مواجهة ما بدا في حينه–والي اليوم- وكأنه تطوع جبري اقدم عليه قادة الجيش -اشبه بهاجس قهري- لادارة المرحله الانتقاليه منفردين وما يكون قد كلفنا هذا من اعباء اقتصاديه وامنيه مؤلمه (ظهرت مؤخرا في الموجه الحاليه من حشود المصابين والشهداء الابرارالذين فارقوا الحياه نتيجة الاستخدام المفرط للقوه والاستهانه بارواح –وجثث-المواطنين العزل) لمجرد انهم بدوا -الي وقت قريب- ملتزمين بعدم توجيه سلاح –ومدرعات- الشعب الي الشعب  

ورأيي ان الحكومات التي تتجاهل الظلم وتستهين بارادة الشعوب وتكتفي بالتعامل مع المشكلات امنيا (مع ملاحظة ان الحل الامني في حد ذاته –وان تم دون خسائر بشريه ينبئ عن افلاس وفشل ذريع وضيق افق بلا حدود ويقود حتما الي مزيد من الظلم (وبالتالي مزيد من الاحتجاج): كما انه ليس من شأنه وضع حد للمشكله وانما هو بمثابة تأجيل لها) هي حكومات لا تهتم باكثر من اضاعة الوقت واطالة امد الثورات قدر الامكان علي امل ان تنطفئ جذوتها او يتم تفريغها من مضمونها او تصاب بالاحباط ومن ثم يحصل كل طرف علي اكبر قدر من المكاسب واقل قدر من الخسائر وتنتهي المشكله

لنها حكومات تقتل شعوبها وتنتحر فيما تظن انها تحاول النجاه!

فالتفكير -مجرد التفكير- في استقاله طوعيه او خروج  الي المعاش او تفرغ كل انسان لاداء ما يتقنه اصبح بمثابة عيبا او امر جارح للكرامه او "تخوين" (مع الوضع في الاعتبار اننا نتحدث عن انظمه بلغت من الفساد والاستبداد حد معين بحيث لم يتوقف عند ذلك الحد بما يجعل من الصعوبه بمكان علي أي انسان عاقل ان يثق بان ما يحدث اليوم مختلفا عما قبل دون خطه حقيقيه للتغيير ودون مصارحه: وانا لا افهم بالمناسبه: ما معني ان تكون استقالة فلان تحت تصرف علان او ان اقدم استقالتي عدة مرات ولا يقبلها احد فأعود الي عملي كما لو كان شيئا لم يكن او كما لو كان عملا بالسخره)

والمفاجأه ان الثوره مستمره الي اخر رمق وان لها رساله ومضمون واهداف وان اهدافها مشروعه وان الرجال والنساء الشجعان الذين قاموا بها لديهم من الصلابه ما يجدد ارادتهم ذاتيا علي الدوام بحيث يصبحون اكثر عزيمة واصرارا علي التضحيه في سبيل ما يؤمنون به كلما مر الزمان: لقد صاروا مصدر الهام: والفارق كبير في رأيي بين محبه طوعيه للوطن وبين خوف منه: او بين اناس لا يحركهم سوي الضغط والقوه والاهداف الفرديه والفئويه واناس يحركهم الفكر والمبادئ الاخلاقيه والصالح العام ومستقبل الوطن

ويلوح لي انه ما كان يصبح لحديث أي من هؤلاء اليوم عن الثوره والديموقراطيه اهميه لولا ثوار التحرير ولولا ان الثوره بعثتهم من مرقدهم:

ان فكرة ان الانسان كان بحاجه الي بعث وان غيره هو صاحب الفضل في ذلك مازالت تؤرق البعض فيما يبدو: وهم في نفورهم هذا من البعث–ومن الثوره- علي حق: ان البعث من الموت امر مخيف حقا بالنسبه لمن ماتت روحه